انتصر الحزب وانكسر الشيعة

ارتكبت كل الأحزاب في لبنان الخطأ ذاته، فربطت وجودها وقوتها وشعاراتها وعقيدتها بشخص واحد، فقدّسته ومجّدته وهتفت له إلى حدّ الخطيئة. وما إن يموت أو يُغتال هذا القائد الآتي من الله، حتى تُصاب الجماهير بحال من اليتم الكلّي والشلل التام. خاصة أنّ رحيل كل هؤلاء الزعماء والقادة لم يأتِ سوى فوق “كومة” من الدمار العسكري أو البشري أو المالي
كتب جوزف طوق لـ”هنا لبنان”:
ما هي إلّا مجموعة موتسيكلات وكمشة أعلام صفراء تلفظ أنفاس المارد الشيعي الأخيرة، قبل أن ينضمّ حزب الله مثل الشاطر إلى صالون الأحزاب اللبنانية المنتصرة فوق هزائم أهلها ودمار مناطقهم.
والآن فقط فهمنا ما الذي كان يقصده أستاذ المدرسة عندما كان يقول لنا “التاريخ يعيد نفسه”، لأنّ الذي يحصل اليوم مع إخواننا الشيعة ما هو إلا إنعكاس واضح لما حصل مع باقي الطوائف الأخرى في حقبات متفرّقة من التاريخ اللبناني الحديث.
في 16 آذار 1977، تم اغتيال كمال جنبلاط.. انتصر الدروز، وبدأ المارد الأحمر رحلة البحث عن الاختباء في حقيبة وزارية تضمن ديمومته في لبنان.
في 14 أيلول 1982، تم اغتيال بشير الجميل.. انتصر الموارنة، وراح المارد الأخضر يتعلّم مدّ رجليه على “قدّ بساط” مناصبه المكفولة بالدستور.
في 14 شباط 2005، تم اغتيال رفيق الحريري.. انتصر السنّة، ولم يبق أمام المارد الأزرق سوى التلحّف بلوائح انتخابية نيابية تقيه من التجمّد في الرياح السياسية اللبنانية.
في 27 أيلول 2024، تم اغتيال حسن نصر الله.. انتصر الشيعة، والآن رحلة المارد الأصفر للبحث عن طوق نجاة وسط العواصف اللبنانية.
ارتكبت كل الأحزاب في لبنان الخطأ ذاته، فربطت وجودها وقوتها وشعاراتها وعقيدتها بشخص واحد، فقدّسته ومجّدته وهتفت له إلى حدّ الخطيئة. وما إن يموت أو يُغتال هذا القائد الآتي من الله، حتى تُصاب الجماهير بحال من اليتم الكلّي والشلل التام. خاصة أن رحيل كل هؤلاء الزعماء والقادة لم يأتِ سوى فوق “كومة” من الدمار العسكري أو البشري أو المالي.
كل مارد كان له بعد مؤسسه، خليفة أو سلسلة من الخلفاء، الذين أطلقوا على أنفسهم لقب الزعماء أو القادة، ولكنهم في الحقيقة ليسوا أكثر من ضمادة على جرح الطائفة، أو زعماء تصريف أعمال الهزائم لتحقيق انتصارات نيابية أو وزارية، وأقصى طموحاتهم القيادية “دحش” أكبر عدد من المناصرين في وظائف الدولة والأجهزة الأمنية، ونهب ثروات الحقائب الوزارية والسلبطة النيابية.
كل الطوائف انتصرت… وكيف لا، وها هو الزعيم يطلّ علينا من قصره المحصّن ومن خلف أكتاف حرّاسه الشخصيين، ليذكّرنا كم هي غنية طائفتنا بمجوهرات زوجته، وكم هي قوية طائفتنا بسياراته المضادة للرصاص، وكم هي متينة بأخشاب الديكور في صالونات الاستقبال داخل قصره، وكم هي صامدة بلائحة الورثة من بعده، وكم هي فاعلة بعدد السفراء الذين يولم على شرفهم.
كل الطوائف انتصرت… وكيف لا، ولم يبق من انتصاراتها سوى أمهات تبكي صوَر الشهداء، وآباء تدفع فواتير معارك حروب الزعماء، وأبناء وبنات يتعلّمون ولا يعملون، وأطفال تسير على خطّ الهجرة.
كل الطوائف انتصرت… وها هي أعلام أحزابها ترفرف فوق مقابر شباب ماتوا دفاعاً عن خطاب الزعيم في المحافل الانتخابية. ها هي أعلامها ترفرف بأيدي شباب على الموتسيكلات فوق دمار أحياء وشوارع وقرى مهدّمة بالكامل، وفوق جنى عمر مزارعين وشقى أيام مواطنين وفوق جدران منازل مستلقية على الرصيف، وفوق ذكريات جمعات عائلية وسهرات شتوية وحلقات أصحاب صيفية. ها هي الأعلام ترفرف عالياً في الهواء، فيما ينقطع نفس الطوائف تحت ردم التعتير والمذلّة والحرمان.
أهلاً وسهلاً بإخواننا الشيعة في صالون الطوائف اللبنانية التي تهتف بحسرة لإيام العزّ، بعد أن سلكت الطريق نفسه نحو الإنكفاء، وحيث لن يجدوا كما الذين سبقهم دولة قوية وقانوناً نافذاً يحميهم، لأن طوائفنا المنتصرة بالهتافات هي فعلياً مهزومة بالكرافاتات.
مواضيع مماثلة للكاتب:
![]() “بغل” الدراما اللبنانية! | ![]() عاصفة 1982 | ![]() ع السكّين يا وزير! |