التوحّد: واقع مرير وحاجة ملحّة للتغيير

التحدّي الأكبر يظلّ النظرة المجتمعيّة إلى التوحّد، حيث يعاني الكثير من الأطفال والأسَر من الوصْم والتمييز. نقص التوعية يؤدّي إلى انعزال الأفراد ذوي التوحّد عن الحياة الاجتماعية، مما يقلّل من فرصِهم في تحقيق الاستقلالية والاندماج الفعلي.
كتب جو أندره رحال لـ”هنا لبنان”:
التوحّد ليس مجرّد اضطراب نمائي عصبي؛ بل هو تجربة حياتية يعيشها الأفراد وعائلاتهم بتحدّياتها وتعقيداتها اليومية. في الثاني من أبريل/نيسان من كلّ عام، يصادف اليوم العالمي للتوحّد، حيث يتحوّل العالم إلى “اللون الأزرق” لزيادة التوعية على هذا الاضطراب وتعزيز الدمج في المجتمع. اللون الأزرق، الذي يرمز إلى الهدوء والثقة، يعكس أيضًا المسار غير المستقرّ الذي يعيشه الأفراد ذوو التوحد في ظلّ نقص التشخيص المبكر، وقلّة الخدمات المتخصّصة، وضعف الوعي المجتمعي.
في لبنان، حيث تغيب الإحصاءات الرّسمية الدقيقة، تُقدَّر النّسب العالمية الحالية بثلاثة من كلّ مئة طفل يولدون ضمن طيْف التوحّد. على الرَّغم من أهمّية التدخّل المبكّر في تحسين جودة الحياة، إلّا أنّ محدودية المراكز المتخصّصة تؤدّي إلى تأخير التشخيص، مما يقلّل من فرص الاستفادة من العِلاجات المناسبة. العائلات تواجه ضغوطًا نفسيةً وماليةً هائلةً، إذْ إنّ تكاليف العلاج السلوكي وعلاج النطق والعلاج الوظيفي تفوق قدرة الكثيرين، خاصةً في ظل غياب التغطية الصحّية لهذه الخدمات.
التعليم يشكّل تحديًا إضافيًا، حيث تفتقر العديد من المدارس إلى برامج دمجٍ حقيقيّة للأطفال ذوي التوحّد. ضعف تدريب المعلمين وارتفاع تكلفة المؤسّسات المتخصّصة يجعلان من التعليم الدامج امتيازًا لا يتمتّع به الجميع. هذا الحرمان لا يؤثر فقط في الطفل، بل يعمّق شعور العزلة لدى الأسْرة ويحدّ من فرص الطفل في تطوير مهاراته الاجتماعية والأكاديمية.
التحدّي الأكبر يظلّ النظرة المجتمعيّة إلى التوحّد، حيث يعاني الكثير من الأطفال والأسَر من الوصْم والتمييز. نقص التوعية يؤدّي إلى انعزال الأفراد ذوي التوحّد عن الحياة الاجتماعية، مما يقلّل من فرصِهم في تحقيق الاستقلالية والاندماج الفعلي. حملات التّوعية، التي تتّخذ من اللون الأزرق شعارًا لها، تسعى إلى تغيير هذه النّظرة من خلال تسليط الضوء على قدرات الأفراد ذوي التوحّد بدلًا من التركيز على التحديات.
لا يمكن أن يبقى التعامل مع التوحّد محصورًا في نطاق الجهود الفردية والمبادرات المتفرّقة. المطلوب اليوم رؤية وطنية شاملة تتبنّى مقاربةً متكاملةً تشمل تحسين التشخيص المبكر، وتوفير خدمات علاجية متخصّصة بأسعار ميسّرة، ودمج الأطفال ذوي التوحد في المدارس ضمن بيئةٍ داعمة. لا بدّ من تدريب الكوادر التعليمية، وتفعيل القوانين التي تحمي حقوق المصابين بالتوحّد، وإطلاق حملات توعويّة مُستدامة تُحدث تغييرًا حقيقيًّا في الوعي المجتمعي. إنّ بناء مستقبلٍ أكثر إنصافًا للأفراد ذوي التوحّد في لبنان ليس رفاهيةً، بل مسؤولية يجب أن تتحمّلها الدولة والمجتمع على حدٍّ سواء.
مواضيع مماثلة للكاتب:
![]() الانتخابات… منبيع ومنشتري! | ![]() التحوّل الرّقمي في لبنان خطوة نحو المستقبل | ![]() الذكاء الاصطناعي بين التمكين و”الكمين” |