تغيير جغرافي وديموغرافي يبدأ من الجنوب


خاص 24 تشرين الأول, 2024

لا يمكن اليوم تصوُّر لبنان في “اليوم التالي” للحرب. لكنه بالتأكيد ليس لبنان الذي كان قائماً قبلها. كما أن من الصعب تقدير إلى متى ستستمر الحرب الدائرة حالياً في لبنان: هل تنتهي في المدى المنظور، أم يريد الإسرائيليون إطالتها والاستفادة منها “حتى الثمالة”، أي حتى تحقيق كل ما يريدونه أو يطمحون إلى تحقيقه، في لبنان وكامل الشرق الأوسط؟ وللتذكير، حرب غزة عمرها عام وهي مستمرة، فيما حرب لبنان “الفعلية” لا يتعدى عمرها الأسابيع القليلة


كتب طوني عيسى لـ”هنا لبنان”:

على الأرجح، دخل لبنان في المرحلة الأشد خطراً من الحرب. إنه التوغل البري وسيطرة إسرائيل على بقعة من الجنوب بعد تحويلها أرضاً محروقة. ويكشف الإسرائيليون صراحةً عمّا يريدون القيام به في هذه البقعة التي حددوها في عمق 5 كيلومترات. ويقولون إنّهم يريدون تدمير القرى الواقعة فيها، بأحيائها السكنية وبناها التحتية.

لكنّ الكثيرين يعتقدون أنّ هذه البقعة قد لا تكون سوى البداية، وأنّ إسرائيل ستعتمد في لبنان سيناريو غزة الذي يحمل تسمية “خطة الجنرالات”. وهذه الخطة التي أعدها ضباط كبار متقاعدون، أبرزهم غيورا آيلاند، صاحب مشروع التقسيم الشهير لكيانات الشرق الأوسط، تقضي بقضم القطاع بقعة تلو أخرى، بخطوات متدرجة، تبدأ بالسيطرة العسكرية على كلٍّ منها بعد تدمير مساكنها وبناها التحتية، ثم تستكمل بإقفال منافذها بالعوائق والسواتر الترابية لعزلها، ويجري قطع المؤن والمياه عن سكانها لجعلهم غير قادرين على العيش، فيضطرون إلى مغادرتها. وبعد ذلك، تصبح “الأرض المحروقة” متاحة للقضم بمشاريع الاستيطان. ولاحقاً، تختار إسرائيل التوقيت السياسي المناسب لضمّ القطاع بالكامل إلى خريطتها.

ولذلك، على مدى العام الفائت، وفيما كان الجيش الإسرائيلي يعمل على تصفية “حماس”، والمفاوضات تدور على غير مستوى إقليمي ودولي، كان بنيامين نتنياهو يضيع الوقت ويشغل الوسطاء بالمناورات، ريثما تنضج المعطيات التي تسمح بإيصال القطاع إلى الوضع الذي يريده. وما فعله الجيش الإسرائيلي في غزة لا يبدو مختلفاً عمّا يفعله اليوم في الجنوب حيث بدأت الحلقة الأولى من السيناريو نفسه بتدمير ممنهج للقرى الحدودية، ما يجعلها أرضاً محروقة بلا سكان، فيما يجري التوغل فيها والسيطرة عليها عسكرياً.

ويمكن تقدير الخطوات التي تطمح إسرائيل إلى تنفيذها في لبنان من خلال الرؤية التي قدَّمها الجيش الإسرائيلي إلى الحكومة، والتي حدد فيها الشروط التي يجب أن تراعيها في أي اتفاق لوقف الحرب في لبنان. وتتضمن هذه الرؤية إنشاء منطقة عازلة في الجنوب، لا حياة فيها، وتسيطر عليها إسرائيل بالنار، على أن يتراجع الجيش اللبناني و”اليونيفيل” إلى ما وراء هذه المنطقة، ويُنزع سلاح “حزب الله” وتُفرض رقابة صارمة على المعابر مع سوريا والمرافئ والمطار منعاً لأي تسليح جديد، فيما تتمتع إسرائيل بالحق في الرقابة واستهداف ما تعتبره خطراً عليها، ساعة تشاء، وعلى كل الأراضي اللبنانية. وهذه الرؤية تستخدمها إسرائيل حالياً كأرضية للنقاش في أي تسوية لوقف النار في لبنان.

وتأكيداً لرغبتها في إنشاء المنطقة العازلة، تقوم إسرائيل بتسديد ضربات متلاحقة إلى مراكز الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل” الموجودة في مدى الـ5 كيلومترات المستهدفة بالتدمير والتهجير. وكلاهما، أي “الجيش” و”اليونيفيل”، أعلنا أنّ هذا الاستهداف يتم عمداً، ما يؤكّد أنّ الخطة الإسرائيلية تقضي باستبعاد أيّ وجود عسكري لبناني أو دولي داخل المنطقة العازلة، بحيث تكون مجرد بقعة ميتة، وبكل معاني الكلمة. وهذا يعني عملياً أنّ القرى الحدودية المدمّرة والمهجّرة، ستبقى مدمّرة حتى أمدٍ غير معروف، وسيبقى سكانها نازحين.

وما يفاقم المخاوف هو اعتقاد البعض بأنّ إسرائيل تريد “تبليع” الجميع خطواتها تدريجاً. فطموحها الحقيقي، وفق هؤلاء، لا يقتصر على عمق الـ5 كيلومترات، وإنّما يتعداه ليصل لاحقاً إلى الليطاني. وللتذكير، في غزّة أيضاً، كانت إسرائيل تطالب بالسيطرة على مناطق محددة، ولكن، عندما استتبت لها الأمور، أخذت تتعاطى مع القطاع كله بمعايير واحدة، وهي السيطرة والتدمير والتهجير.

لذلك، يقول العارفون إنّ ما يجري اليوم في الجنوب ستكون له انعكاسات عميقة على لبنان الكيان والدولة. فإفراغ قسم كبير من الجنوب من سكانه، بغالبيتهم الشيعية، وتشتّت مئات الآلاف منهم بين الداخل اللبناني وسوريا والعراق وسواهما، من شأنه أن يعيد رسم الجغرافيا والديموغرافيا في لبنان، بموازاة الوقائع السياسية الناشئة نتيجة للضربة التي تلقاها “حزب الله” كتنظيم شيعي مسلّح تدعمه إيران، والتي يبدو بديهياً أنّها قلّصت نفوذه داخل السلطة المركزية.

لا يمكن اليوم تصوُّر لبنان في “اليوم التالي” للحرب. لكنّه بالتأكيد ليس لبنان الذي كان قائماً قبلها. كما أنّ من الصعب تقدير إلى متى ستستمرّ الحرب الدائرة حالياً في لبنان: هل تنتهي في المدى المنظور، أم يريد الإسرائيليون إطالتها والاستفادة منها “حتى الثمالة”، أي حتى تحقيق كل ما يريدونه أو يطمحون إلى تحقيقه، في لبنان وكامل الشرق الأوسط؟ وللتذكير، حرب غزة عمرها عام وهي مستمرة، فيما حرب لبنان “الفعلية” لا يتعدى عمرها الأسابيع القليلة.

قد لا يكون مناسباً السقوط في مبالغات أصحاب “نظرية المؤامرة”- كما يقال- لكن طموحات الإسرائيليين تعلن عن نفسها صراحةً في غزة والضفة الغربية. وقد تصبح أكثر وضوحاً في لبنان، في المراحل المقبلة من الحرب. لكن رؤية إسرائيل إلى الشرق الأوسط الجديد معروفة، ونهج إيران يشكل فرصة لا تفوَّت للمضي نحو هذا الهدف.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us