السجال بين المالكين والمستأجرين يحتدم.. ودعاوى قضائية لإخلاء الأبنية غير السكنية

تستمر الأزمة بين المستأجرين والمالكين في ما يتعلق بقانون الإيجارات غير السكنية، حيث يرى المالكون أن القضاء هو الحل لاسترجاع أملاكهم فيما يرفض المستأجرون هذا الضغط، ما يؤكد ضرورة انتظار تشريع جديد ينظم العلاقة بين الطرفين
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
يستمر السجال بين المستأجرين والمالكين حول قانون الإيجارات غير السكنية، ففيما تواظب نقابة المالكين على دفع الأمور باتجاه إيجاد حل جذري للإيجارات غير السكنية، يتمسك المستأجرون بالقانون القديم ويرفضون التخلي عنه.
ومؤخراً أكدت نقابة المالكين أنّ وقف تمديد عقود الإيجارات غير السكنية وإعادة الأقسام إلى أصحابها المالكين بات أمراً ملحاً بعد سنوات من احتلالها لمصلحة المستأجرين الذين يجنون أرباحاً غير مشروعة على حساب المالكين، وبعد فشل الحكومة السابقة في إيجاد الحلول التي تلغي معاناتهم.
فما جديد هذا الملف العالق الذي وضع المالك والمستأجر وجهاً لوجه؟
عن هذا الموضوع أوضح رئيس نقابة المالكين باتريك رزق الله أن النقابة “دعت وتدعو جميع المؤجرين إلى التقدم بدعاوى إخلاء في الأقسام السكنية لأن القانون واضح في هذه المسألة، ونحن في حالة فراغ قانوني منذ عام ٢٠٢٢، وبالتالي مضت ثلاث سنوات على الموضوع ولا نزال “مكانك راوح”، وطالما أنّ لجان المستأجرين تراوغ للاستمرار في استغلال الأقسام ببدلات مجانية، فمن الضروري اللجوء إلى القضاء لاسترجاع الحقوق”.
ويتابع رزق الله: “إننا كنقابة لم نعد نريد أن يصدر قانون جديد، ونصر على اللجوء إلى المحاكم طالما هناك فراغ قانوني، وعلى المحاكم أن تحكم بالحق أي بالإخلاء، وهذا نتيجة مفاوضات مع لجان المستأجرين أصروا فيها على السطو على أملاكنا، ورفضوا فيها جميع الحلول التي قدّمناها وتتعلق بالمهل وبدل المثل وما يسمونه “خلو” ونسميه “فدية”.
ويقول: “لقد قدمنا تنازلات كثيرة، مع العلم أنه يجب التعويض علينا عن خسائرنا المتراكمة، ولا سيما في السنوات الأخيرة، ورضينا بما فرضته علينا الدولة من مهل لكن لجان المستأجرين رفضت أي حل، وأصرت على استمرار الوضع الحالي، أي على استثمار الأقسام بالمجان، من دون أي إنسانية”.
وفي الجانب القضائي يرى رزق الله إنّ “هناك مراجعة من قبلنا أمام مجلس شورى الدولة، وقد صدر فيها قرار إعدادي كان يجب بموجبه أن يبادر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى نشر القانون في الجريدة الرسمية، لأن رده كان مخالفاً للدستور، لكن موقفه حرمنا من حقنا، وفي مخالفة دستورية واضحة، فبانتظار نشر القانون، ننصح المالكين بالتقاط الفرصة، والتقدم بدعاوى إخلاء لتطبيق القانون العام، ورأي محكمة التمييز واضح في هذا المجال”.
ويختم حديثه بالقول: “على المالكين ألا يفوّتوا أي فرصة لاسترداد أملاكهم، وعددها ٢٥ ألف قسم، الحوار لم يعد نافعاً، ولا مد اليد، فأفضل ما قدمته لجان المستأجرين هو مبادرة ملغومة بمضاعفة البدلات ٢٠ مرة، أي يصبح بدل الإيجار ٢٠$ في الشهر بدلاً من دولار، وهذه مهزلة”!
من جهتها، أسفت المستشارة القانونية للجنة الأهلية للمستأجرين المحامية مايا جعارة لما تشهده الساحة من تحريض غير مسبوق من قبل لجان المالكين لحث عامة المالكين على إقامة دعاوى ضد المستأجرين في المآجير غير السكنية القديمة، واعتبرت أن هذه الدعاوى تندرج في إطار الضغط غير المشروع للإحراج بغية محاولة تحسين وضعهم التفاوضي أو بغية محاولة تحويل الإيجار من قديم إلى إيجار حرّ خاضع للعرض والطلب ولمشيئة المالك.
وأشارت جعارة إلى أن قانون الإيجارات غير السكنية الذي أقرّ في نهاية العام 2023 أعيد إلى مجلس النواب للتعديل وأن المجلس سيّد نفسه، علماً أنه بحسب اجتهاد محكمة التمييز رقم 101/2013 الذي نصّ على أن “درج المشترع في سنّ القوانين على وصلها ببعضها بعضاً من خلال النص” وهذا عرف متبع في تشريع الإيجارات فلا يجوز التذرع بالفراغ القانوني الناتج عن تأخر المشترع عن التشريع والتمديد، والقول إن هناك فراغاً قانونياً للضغط على المستأجرين ومحاولة إحراجهم لإخراجهم.
هذا بالإضافة إلى أنه وبناءً على قرار المجلس الدستوري رقم 1/2019 الذي يوجب على المشترع وعلى القضاء التقيّد به، لا يجوز الرجوع إلى حرية التعاقد بل انتظار صدور تشريع جديد يرعى العلاقة بين المستأجر القديم والمؤجر. وعلى هذا الأساس ردّ المجلس الدستوري الطعن بالقانون 111 الصادر بتاريخ 30/11/2018 والمتعلق بتعديل المادة 38 من القانون رقم 2/2017.
وبحسب جعارة نصت المادة 38 من قانون الإيجارات 2/2017: لحين نفاذ قانون خاص ينظم علاقة المالك بالمستأجر في هذه العقود، تمدد عقود إيجار الأماكن غير السكنية المعقودة قبل 23/7/1992 حتى وقت لا يعرفه أحد، وبالتالي لحظ المشترع بوضوح أن القانون الواجب التطبيق هو القانون 2/2017 وذلك لحين نفاذ وصدور قانون خاص جديد يراد به تنظيم علاقة المستأجر بالمالك، فمن جهة المهلة مغطاة ومرتبطة بصدور قانون جديد لتفادي الفراغ القانوني،
ومن جهة أخرى التمديد مرتبط بصدور قانون جديد وليس فقط بمهلة محددة، أي أن هناك عاملين أساسيين الأول هي الفترة المحددة بعبارة “لحين” أي طيلة الفترة والثاني هو عامل صدور قانون جديد أي “لحين صدور قانون جديد” فيستمر التمديد لحين تحققها.
وتلفت جعارة إلى أنه ومنذ صدور قانون الإيجارات في الثلاثينيات كان المشرع يمدد القانون تباعاً كل فترة، وكان أحياناً يتأخر في التشريع لأسباب عدة ثم يعود ويستلحقها بالتمديد بمفعول رجعي، وقد طرح الموضوع على القضاء للبت بمسألة الفراغ القانوني، فاستمر الاجتهاد باتخاذ القرارات بالتريث، ولم تحكم المحاكم بتاتاً بإخلاء أحد، لا في الأماكن السكنية أو غير السكنية وهذا ثابت ومستقر فقهاً واجتهاداً ومتعارف عليه.
واعتبرت جعارة أن إخراج المستأجر من مأجوره غير السكني يلحق به أضراراً لا تعوض، لذا أصدرت المحاكم قرارات ثابتة ومستقرة بهذا الموضوع وأرست استقراراً قضائياً في الاجتهاد وثباتاً في المعاملات بين المالك والمستأجر وحافظت به على استمرار عمل المؤسسات التجارية استناداً إلى قانون الإيجارات وإلى قانون المؤسسة التجارية 11/67.
ورأت جعارة أن مبادرة جمعيات التجار التي أُطلقت العام الماضي بزيادة عشرين ضعفاً على البدل الحالي في الوقت الراهن بانتظار صدور قانون متوازن يرعى العلاقة بين المالك والمستأجر كانت قد لاقت ترحيباً ملحوظاً من عدد كبير من المالكين، لاسيما الصغار منهم الذين لا همّ لهم حالياً سوى أن يتقاضوا بدلات مقبولة عن مآجيرهم إلا أن لجان المالكين قد عملوا على إجهاضها.
وفي الإطار توضح د. جوديت التيني أن “مفعول قانون إيجارات الأماكن غير السكنية رقم 243/2021 انتهى، ولم يعد ثمة تمديد إضافي منذ حلول تاريخ 30/6/2022. وكان مجلس النواب قد أقر في 15 من كانون الأول من عام 2023 قانوناً خاصاً بالإيجارات غير السكنية، بيد أن الحكومة المستقيلة رفضت إصداره ونشره وأعادته إلى مجلس النواب للمناقشة والتصويت عليه من جديد. وقد اعتدت في ذلك على صلاحية تعود حصراً لرئيس الجمهورية ومكرسة له في الدستور ولا يعود لحكومة مستقيلة في ظل الفراغ الرئاسي أن تمارسها”.
وفي ضوء انتهاء مفعول قانون التمديد في نهاية حزيران من عام 2022 وعدم صدور ونشر القانون الذي أقرّ في مجلس النواب في نهاية عام 2023، ما الحل الذي ستتبعه المحاكم بخصوص الدعاوى؟
وهنا تجيب التيني أن “العودة إلى تطبيق قانون الموجبات والعقود هي المحتمة، ومبدأ حرية التعاقد سيكون تكريسه واجباً، ولا بد من أن يصار إلى تطبيق قانون الموجبات والعقود ومبدأ حرية التعاقد الذي يكرّس التقاء مشيئتي المالك والمستأجر واتفاقهما على شروط التعاقد، دون أي وجود لتمديد قانوني إضافي”.
وتالياً، تؤكد أنه “لا مجال في هذا الإطار لتطبيق “نظرية الفراغ القانوني” والتريث في بت الدعاوى لحين صدور قانون جديد، استناداً إلى المبادئ العامة والمادة الرابعة من قانون أصول المحاكمات المدنية. فالمبادئ العامة في القانون تقضي بواجب العودة إلى القانون العام لدى انقضاء مفاعيل القوانين الاستثنائية، والقانون العام هنا هو قانون الموجبات والعقود ومبدأ حرية التعاقد، والقاضي اللبناني ملزم سنداً إلى المادة الرابعة من قانون أصول المحاكمات المدنية بالنظر في الدعاوى المقامة أمامه وبتّها دون أي إبطاء أو تأخير تحت طائلة اعتباره مستنكفاً عن إحقاق الحق، وتالياً لا مجال للقول “بنظرية الفراغ القانوني”، وانتظار صدور قانون جديد لبت الدعوى المقامة أو التي قد تقام”.
مواضيع مماثلة للكاتب:
![]() أورتاغوس: السلام بالقوة أو بالحرب | ![]() المطاعم اللبنانية: ملاذٌ للأمل والفرح رغم التوتّرات الأمنية | ![]() تجّار الضاحية يشدّون رحالهم: توتّر وقلق من عودة الحرب |