ضرائب الكحول في لبنان: بين الاعتراضات والتعديلات… هل انتهت الأزمة؟


خاص 15 آذار, 2025

 

هذا الواقع يضع العديد من علامات الاستفهام حول مدى قدرة التعديلات على تحقيق الهدف المنشود من دون الإضرار بالقطاعات المعنية. فالحكومة تسعى إلى زيادة إيراداتها لسدّ العجز في الموازنة، لكنها في الوقت نفسِه تواجه تحدّي الحفاظ على استقرار القطاعات الاقتصادية، خصوصًا تلك التي تلعب دورًا رئيسيًّا في جذب الاستثمارات وإنعاش الأسواق.

كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:

شكّلت الضرائب والرسوم المرتفعة التي وردت في موازنة 2025 على الكحول والمشروبات المستوردة والمحلّية صدمةً كبيرةً للقطاعيْن السياحي والتجاري في البلاد، إذْ رأى المعنيّون في هذه الإجراءات عبئًا إضافيًا على مؤسّسات لا تزال تحاول التعافي من تداعيات الأزمات الاقتصادية المتوالية منذ عام 2019. وفي ظلّ موجة الاعتراضات الواسعة التي صدرت عن أصحاب المطاعم والملاهي والمستوردين، اضطرّت وزارة المالية إلى اتخاذ خطوة تصحيحية عبْر إصدار مشروع قانون يهدف إلى تعديل هذه الرسوم وتخفيضها، في محاولةٍ لتحقيق توازن بين الحاجة إلى إيرادات إضافية وبين حماية القطاعات الاقتصادية الحيوية.

فعلى سبيل المثال، فُرض رسم بقيمة 45 ألف ليرة على زجاجة الجعة (البيرة)، إلّا أن مشروع القانون الجديد خفّضه إلى 5500 ليرة. أمّا العرَق، فقد كان رسمه 60 ألف ليرة، ليتمّ تعديله إلى 23 ألفًا، في حين انخفض رسم النبيذ من 60 ألف ليرة إلى 18 ألفًا.

وبالنسبة إلى المشروبات الفاخرة، فقد تراجعت الرسوم بشكل ملحوظ. فتمّ تخفيض رسم الشمبانيا من 90 ألف ليرة إلى37 ألفًا، بينما المنتجات المحلّية المشابهة للكونياك، والتي كان رسمها 390 ألف ليرة في الموازنة، فتمّ تخفيضها إلى 69 ألف ليرة في مشروع القانون الجديد. كذلك، تراجعت الرسوم على الويسكي بأنواعه، إذ كان الرسم على الويسكي الأقل من 12 سنة 300 ألف ليرة، ليصبح 37 ألفًا، أما الويسكي من 12 سنة فما فوق، فقد انخفض رسمه من 390 ألف ليرة إلى69 ألفًا. وشمل التخفيض أيضًا سائر أنواع المشروبات الروحيّة، حيث تمّ تقليص الرسم من 300 ألف ليرة إلى37 ألف ليرة، وفقًا لمشروع القانون المعدّل الذي قدّمته وزارة المالية.

وأوضحت وزارة المالية أنّ إعداد هذا المشروع جاء استجابةً للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمرّ بها لبنان، وسعيًا لتخفيف الأعباء المالية عن المستهلكين. كما أكّدت أنّ الزيادات التي وردت في موازنة 2025 كان من شأنها أن تؤدّي إلى انكماش الأسواق التجارية لهذه المنتجات، مما قد ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، جاء التعديل ليحقق توازنًا بين الحاجة إلى زيادة الإيرادات العامة وبين الحفاظ على استقرار السوق وحماية المستهلكين من تداعيات الزيادات الضريبية الكبيرة.

المسار القانوني لمشروع التعديل

وفيما يتعلّق بمسار إقرار هذا المشروع، أوضحت المحامية الدكتورة جوديتا لتيني أنّ “المشروع بحاجة إلى إقراره أولًا في مجلس الوزراء، ومن ثم إرساله إلى مجلس النواب ليتمّ دراسته في اللجان النيابية المعنيّة، وأبرزها لجنة المال والموازنة، قبل أن يُدرج في جدول أعمال الهيئة العامّة لمجلس النواب ليُصار إلى التصويت عليه وإقراره”. وأشارت إلى “أنّ المشروع لا يُعتبر معجّلًا مكرّرًا، بل يتألف من عدّة مواد، ما يعني أنّه سيمرّ بكامل المراحل التشريعية المطلوبة، الأمر الذي قد يستغرق وقتًا قبل دخوله حيز التنفيذ”.

مع العلم أنّ مرسوم الموازنة لم يُنشر بعد في الجريدة الرسمية، ولربّما تسعى الحكومة إلى نشره بالتزامن مع إقرار مشاريع القوانين المعدّلة وإحالتها إلى مجلس النواب، ما قد يؤثر في توقيت تنفيذ هذه التعديلات.

آراء المعنيين وتأثير التعديلات في القطاع

من جهة أخرى، أشار نقيب مستوردي المشروبات، ميشال أبي رميا، إلى أنّ مشروع القانون الذي أصدرته وزارة المالية شكّل حلًّا جزئيًّا للأزمة، حيث تمّ تخفيض الرسوم بنسبة 70%، إلّا أن 30% من المشكلة لا تزال قائمة. وأوضح أن اقتراح النقابة، الذي كان يرتكز إلى زيادة مقبولة مقارنة بالعام الماضي، لم يُؤخذ بعين الاعتبار، إذ إنّ الرسوم، حتى بعد التعديل، ما زالت ضعف ما كانت عليه سابقًا.

أما نقيب أصحاب المطاعم والملاهي والباتيسري، طوني الرامي، فقد أكد أنّ القدرة الشرائية للمواطنين لا تزال ضعيفة، وعلى الرَّغم من وجود مؤشرات إيجابية على الصعيد السياسي، إلّا أنّ التعافي الاقتصادي يسير ببطء. وأضاف أن فرض أيّ رسوم أو ضرائب جديدة على القطاع، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر، سيؤدّي حتمًا إلى ارتفاع الأسعار، ما سيضعف إقبال الزبائن ويؤثر سلبًا في النشاط السياحي والمطاعم. فهذه المؤسَّسات لم تعدْ قادرة على رفع قيمة فواتيرها أكثر، لأنّ ذلك قد يدفع المستهلكين إلى التراجع عن ارتياد المطاعم وأماكن السهر، مما ينعكس سلبًا على الدورة الاقتصادية بأكملها.

هذا الواقع يضع العديد من علامات الاستفهام حول مدى قدرة هذه التعديلات على تحقيق الهدف المنشود من دون الإضرار بالقطاعات المعنية. فالحكومة تسعى إلى زيادة إيراداتها لسدّ العجز في الموازنة، لكنها في الوقت نفسِه تواجه تحدّي الحفاظ على استقرار القطاعات الاقتصادية، خصوصًا تلك التي تلعب دورًا رئيسيًّا في جذب الاستثمارات وإنعاش الأسواق.

في المحصّلة، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستؤدي هذه التعديلات إلى حلّ نهائي للمشكلة، أم أن القطاعيْن السياحي والتجاري سيظلّان يواجهان المزيد من الضغوط في المرحلة المقبلة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالكشف عن مدى فعّالية هذه الإجراءات في تحقيق التوازن المطلوب بين متطلبات المالية العامّة وديناميّة الاقتصاد المحلي.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us