التحوّل الرّقمي في لبنان خطوة نحو المستقبل


خاص 18 آذار, 2025

الإرادة السياسية هي المفتاح الأساسي لإنجاح هذه الخطة، لكن نجاحها الفعلي يحتاج إلى استثمار جاد في البنية التحتية، وتحديث القوانين، والأهم من ذلك، إشراك المواطنين في هذه العملية لضمان استفادتهم منها بشكل حقيقي.

كتب جو أندره رحال لـ”هنا لبنان”:

في ظلّ الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، باتت الحاجة إلى تحديث الإدارة العامة وتحسين الخدمات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. من هنا، تتّجه الأنظار إلى التحول الرّقمي كمسار استراتيجي يمكن أن يضع البلاد على سكة التطوّر والشفافية، ويعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة. في هذا السّياق، يستعد مجلس الوزراء لمناقشة خطة شاملة تهدف إلى “رقمنة” الإدارات الحكومية، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، وتعزيز الاقتصاد الرقمي. لكن هل تملك الدولة الأدوات والإرادة الكافية لتحقيق هذا التحول؟

رؤية طموحة في مواجهة واقع معقد

جوهر هذه الخطة يكمُن في إنشاء بنية تحتية رقمية متكاملة تتيح للمواطنين والشركات إنجاز معاملاتهم إلكترونيًّا، بعيدًا عن التعقيدات الإدارية والبيروقراطية التي طالما شكّلت بيئة خصبة للفساد والمحسوبيات. الفكرة ليست مجرّد تحديث تقني، بل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تصبح أكثر شفافية وكفاءة.

ترتكز الخطة إلى عدّة محاور رئيسية، أوّلها إطلاق هوية رقمية وطنية تتيح للمواطنين التفاعل مع الإدارات الرسمية بسهولة وأمان، ما يسهم في تسريع المعاملات وتقليل الحاجة إلى التنقل بين الدوائر الحكومية. كما تشمل الخطة رقمنة القطاعات الأساسية، مثل السّجل العدلي، العقارات، والتراخيص، بحيث يصبح تقديم الطلبات واستلام المستندات إلكترونيًّا هو القاعدة وليس الاستثناء.

أما على مستوى البنية التحتية، فالرّهان الأساسي هو على تحديث الشبكة الرقمية وتعزيز الأمن السيبراني، لضمان حماية البيانات ومنع أي اختراقات قد تهدّد مصداقية النظام. كما تشمل الخطّة تحفيز الشركات والمؤسسات لاعتماد الأدوات الرّقمية، من خلال تقديم تسهيلات وقوانين تدعم الانتقال إلى بيئة أعمال رقمية متطورة.

فوائد التحوّل الرقمي أكثر من مجرّد توفير الوقت

نجاح هذه الخطة لن يكون مجرّد تحسين في الأداء الإداري، بل سيحمل آثارًا إيجابية تمتدّ إلى مختلف القطاعات. تقليل المعاملات الورقيّة سيحدّ من الفساد، حيث ستصبح جميع العمليات الحكومية موثّقة ومراقبة إلكترونيًّا، ما يقلل من فرص التلاعب والرشاوى. كذلك، ستتيح هذه الخطوة فرصًا جديدة للاستثمار، إذ إن بيئة أعمال أكثر تنظيمًا وشفافيةً ستجذب الشركات الناشئة ورواد الأعمال، مما يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد.

أما على المستوى الاجتماعي، فإنّ رقمنة الخدمات ستسهّل حياة المواطنين، لا سيما في ظلّ الأزمات الحالية التي تجعل التنقّل داخل البلاد صعبًا ومكلفًا. الوصول السريع إلى الخدمات الصحيّة، التعليمية، والمالية سيخفّف من الأعباء اليومية ويمنح المواطنين إحساسًا بوجود دولة قادرة على مواكبة احتياجاتهم.

التحدّيات بين الطموح والواقع

على الرَّغم من أنّ الرؤية تبدو واعدة، إلّا أنّ تطبيقها يواجه تحدّيات كبيرة، أوّلها البنية التحتية المهترئة، إذ لا يمكن الحديث عن تحوّل رقمي فعّال في ظلّ ضعف خدمة الإنترنت والانقطاع المستمر للكهرباء. أضف إلى ذلك تعقيدات الفساد الإداري والمصالح المتشابكة التي قد تعرقل أي محاولة لإدخال الشفافية إلى المؤسسات الرسمية.

التحدّي الآخر يكمُن في غياب التشريعات الحديثة التي تنظم التحوّل الرقمي وتحمي خصوصية البيانات. فحتّى اللحظة، لا تزال القوانين في هذا المجال متأخرة عن التطورات التقنية، مما قد يشكل عائقًا أمام التنفيذ السليم للخطة.

ما المطلوب لنجاح الخطة؟

الانتقال إلى بيئة رقمية حديثة ليس مجرّد مشروع حكومي، بل عملية تتطلب تعاونًا بين مختلف الجهات، بدءًا من المؤسسات الرسمية وصولًا إلى القطاع الخاص والمجتمع المدني. الإرادة السياسية هي المفتاح الأساسي لإنجاح هذه الخطة، لكن نجاحها الفعلي يحتاج إلى استثمار جاد في البنية التحتية، وتحديث القوانين، والأهم من ذلك، إشراك المواطنين في هذه العملية لضمان استفادتهم منها بشكل حقيقي.

يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكّن هذه الخطة من إحداث تغيير جوهري، أم أنّها ستنضم إلى سلسلة المشاريع التي ولدت على الورق ولم تجد طريقها إلى التنفيذ؟ الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان لبنان مستعدًا فعلًا لدخول العصر الرقمي، أم أنه سيظل عالقًا في دوّامة الوعود غير المنجزة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us