سلام مع إسرائيل من دون تطبيع


خاص 3 نيسان, 2025

اتفاقية الهدنة ضمِنت الهدوء على جبهة لبنان الجنوبي لعشرين سنة، حتّى توقيع اتفاق القاهرة في 3 تشرين الثاني عام 1969 في العاصمة المصرية لتنظيم الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان، والذي اعتُبرت بنوده تنازلًا عن السيادة اللبنانية وإلغاءً من جانبٍ واحدٍ لاتفاقية الهدنة التي حمَت لبنان من أي اعتداء إسرائيلي في حرب الأيام الستة سنة 1967.

كتب محمد سلام لـ”هنا لبنان”:

دخلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “حقبة” إنهاء انتشار “أذرع” نظام الولي الفقيه الفارسي خارج دولته على أن يتبعها إدخال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومن ضمنها حوض البحر الأبيض المتوسط في “حالة” سلام من دون تطبيع مع إسرائيل تمهيدًا لإرساء وضع المنطقة وفق مقتضيات ما يعرف بسلام أبراهام.

قبل الدخول في تفاصيل خطة الانتقال لا بدّ من توضيح الفارق في المعنى والمضمون الجيوسياسي بين مفردتيْ “حقبة” و”حالة”.

“الحقبة” ERA بالإنكليزية هي الفترة التي يبدأ معها الانتقال من وضع كان سائدًا إلى وضعٍ مستجدٍّ يمكن احتساب موعد تحقيق أهدافه، ما يتيح الانتقال منه إلى حالةٍ ظرفيةٍ (conditional) تهيئ للاندماج في السلام الدائم.

“الحقبة” بدأت باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني والقيادي العراقي المؤيّد لإيران أبو مهدي المهندس في غارة نفّذتها مسيّرة أميركية على مطار بغداد في 3 كانون الثاني عام 2020.

وتعززت “الحقبة”، وإن بعد ركود، بانهيار تحالف نظام بشار الأسد والحرس الثوري الفارسي في سوريا في 8 كانون الأول الماضي، ثم اكتملت باغتيال معاون مسؤول الملف الفلسطيني في حزب إيران المسلّح حسن بدير بغارةٍ على منزله في ضاحية بيروت الجنوبية قبل يوميْن.

علمًا أنّ بدير هو ثالث سليماني والمهندس في هيكليّة فيْلق القدس الإيراني الذي كان يدير أذرع إيران في دول “الهلال الشيعي” ونجمته يَمَنِ الانفصاليين الحوثيين بالتعاون مع أمين عام حزب الله السابق السيد حس نصر الله الذي اغتالته غارة إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية في 27 أيلول الماضي.

“الحقبة” اكتملت بتدمير سلاح الجو الأميركي قواعد وأنفاق الانفصاليين الحوثيين في كهوف وجبال محافظة صعدة اليمنية التي اشتهرت بأنّها قلعتهم، ما يفتح الباب للانتقال إلى الحالة الظرفية التي يُتوقّع أن تشهدَ معارك شرسة بالتزامن مع ولوج معادلة “سلام من دون تطبيع” مع إسرائيل.

ما هو مصدر معادلة “سلام من دون تطبيع”؟؟؟

الفكرة تمّ استنباطها من جوهر صيغة اتفاق الهدنة (Armistice Accord) بين لبنان وإسرائيل التي يطالبُ لبنان باعتمادها لاحتواء القتال بين محور إيران المسلح والدولة العبرية عبر الحافة اللبنانية الجنوبية.

ميزة اتفاقية الهدنة الموقعة في 23 آذار عام 1949 تكمن في أن تطبيقَها يغطّي جانبيْ الحدود بعمقٍ متساوٍ وإجراءات مماثلة وهو ما لا تؤمّنه قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة وتحديدًا القرارات 1701 و1680 و1559 لأنّ ميدان تطبيقاتها يقتصر على لبنان حصرًا.

في هذا الصدد، شدّدت اتفاقية الهدنة في بندها الثاني من المادة الثالثة على أنه “لا يجوز لأي فئة من القوات البرية او البحرية أو الجوية، العسكرية أو شبه العسكرية، التابعة لأي من الفريقيْن، بما في ذلك القوات غير النظامية، ان ترتكب أي عمل حربي او عدائي ضدّ قوات الفريق الآخر العسكرية أو شبه العسكرية، او ضدّ المدنيين في الأراضي التي يسيطر عليها الفريق الآخر، ولا يجوز لها لأيّ غرض كان أن تتخطّى او تعبر خطّ الهدنة المبيّن في المادة الخامسة من هذا الاتفاق، او أن تدخل او تعبر المجال الجوي التابع للفريق الآخر أو المياه الواقعة ضمن ثلاثة أميال من الخط الساحلي التابع للفريق الآخر”.

وجاء في البند الثالث من أحكام الهدنة أنّه “لا يجوز توجيه أي عمل حربي أو عمل عدائي من أراضٍ يسيطر عليها أحد فريقيْ هذا الاتفاق ضدّ الفريق الآخر”، وهو ما يتناقض مع الصواريخ المجهولة التي أُطلقت من جنوب لبنان مؤخّرًا.

أليْسَ ما يحظّره نص اتفاقية الهدنة منذ 77 عامًا هو بالتحديد ما يعاني منه لبنان اليوم، ولا يجد حلولًا لمعالجته؟؟؟

والأكثر أهميةً من شروط الالتزام بما هو محظور هو تحديد القوّة المسموح بانتشارها على جانبيْ الحدود.

وجاء في ملحق تحديد قوّات الدفاع أنّه في ما يتعلق بلبنان يسمح له بـ:

“أ‌ – كتيبتيْن وسريتيْن من مشاة الجيش اللبناني النظامي، وبطارية ميدان مؤلفة من 4 مدافع، وسرّية واحدة مؤلفة من 12 سيارة مصفحة خفيفة مجهّزة بالرشاشات و6 دبابات خفيفة مجهّزة بمدافع خفيفة و20 سيارة. المجموع: 1500 من الضباط والأفراد المجندين.

ب – لا يجوز استخدام أي قوات عسكرية غير تلك المذكورة في البند (أ) أعلاه الى الجنوب من الخطّ العام الممتد من القاسميّة الى النبطية التحتا وحاصبيا”.

بعد التوقف عند جردة عديد وعتاد القوّة المسموح لها في جنوب لبنان بموجب اتفاقية الهدنة، يُطرح السؤال:

من يعرف عدد وعديد القوى التي كانت منتشرة في جنوب لبنان قبل بدء مساندة حماس في 8 تشرين الأول العام 2023؟؟؟

وماذا عن العديد والعتاد في الجانب الإسرائيلي من خط الهدنة؟

جاء في الملحق أنّه في ما يتعلّق بإسرائيل يسمح بـ:

“أ – كتيبة واحدة من المشاة، وسرية مساندة واحدة مع ستة مدافع هاون وستة رشاشات، وسرية استكشاف واحدة مع ست سيارات مصفّحة وست سيارات جيب مصفّحة وبطارية واحدة من مدفعية الميدان بأربعة مدافع، وفصيلة واحدة من مهندسي الميدان ووحدات إدارية للتموين والتجهيزات، على ألا يتعدّى المجموع 1500 من الضباط والأفراد المجندين”.

وماذا عن المتواجدين حاليًا في المنطقتيْن الحدوديتيْن الإسرائيلية واللبنانية وأجوائهما ومياههما؟

اتفاقية الهدنة ضمِنت الهدوء على جبهة لبنان الجنوبي لعشرين سنة، حتّى توقيع اتفاق القاهرة في 3 تشرين الثاني عام 1969 في العاصمة المصرية لتنظيم الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان بعدما أرسل رئيس الجمهورية في حينه شارل حلو وفدًا برئاسة قائد الجيش إميل البستاني إلى القاهرة للتفاوض مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات تحت رعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر وبإشراف وزيريْ الدفاع والخارجية محمد فوزي ومحمود رياض.

وقسّم اتفاق القاهرة إلى جزءين: “الوجود الفلسطيني (في لبنان) والعمل الفدائي”.

تحت باب الوجود الفلسطيني، أُقِرَّ “حق العمل والإقامة والتنقّل للفلسطينيين المقيمين حاليا في لبنان”، وهو ما لم يطبّق حتى الآن كما اتفق على “السماح للفلسطينيين المقيمين في لبنان بالمشاركة في الثورة الفلسطينية من خلال الكفاح المسلح ضمن مبادئ سيادة لبنان وسلامته”.

وبخصوص العمل الفدائي، فقد “تمّ الاتفاق على تسهيل العمل الفدائي، وذلك عن طريق تسهيل المرور للفدائيين وتحديد نقاط مرور واستطلاع في مناطق الحدود… وتأمين الطريق إلى منطقة العرقوب”.

اعتُبرت بنود اتفاقية القاهرة تنازلًا عن السيادة اللبنانية وإلغاء من جانبٍ واحدٍ لاتفاقية الهدنة التي كانت قد حمَت لبنان من أي اعتداء إسرائيلي في حرب الأيام الستة سنة 1967 ضدّ مصر التي خسرت جزءًا من سيناء، وسوريا التي جُرِّدت من الجولان، والأردن الذي فقد الضفّة الغربية.

وخسرت لجنة مراقبة خطّ الهدنة (UNTSO) في لبنان رئيس مراقبيها ضابط المارينز الأميركي الكولونيل ويليام هيغينز الذي خطف جنوبي مدينة صور بعد اجتماعه إلى قادةٍ من حركة “أمل” عام 1988 وعثر على جثته في ما يعرف بحرش القتيل جنوبي بيروت في تموز 1990 واتُهم حزب السلاح الإيراني بخطفه وقتله.

بعد كلّ ما سلف، وبعد صدور قرار إنهاء أذرع إيران وإبلاغ لبنان أن لا مساعدات ولا استثمارات له طالما بقي سلاح بيد حزب إيران، ولا قبول بما يسمّى إستراتيجية دفاعية لأنّها مجرّد خدمة لحزب إيران لشراء الوقت الكافي لإعادة تكوين قوته، يصح السؤال:

هل يستطيع لبنان تطبيق اتفاقية هدنة لطالما نادى بها؟؟؟.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us