ما وراء تعريفات ترامب الجمركية… خطوة اقتصادية أم ورقة ضغط دولية؟


خاص 5 نيسان, 2025

الباب مفتوح أمام الشركاء التجاريين للدخول في جولات تفاوضيّة تهدف إلى إيجاد حلول، قد تشمل تعديلات على الاتفاقيات التجارية الحالية، أو تقديم تنازلات متبادلة تسهم في تهدئة التوتّرات الاقتصادية. ويعتمد مدى نجاح هذه المفاوضات على المرونة التي ستبديها الأطراف المتأثرة بهذه الإجراءات.

كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:

مع تصاعد التوتّرات التجارية العالمية، أعاد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تسليط الضوء على سياساته الاقتصادية التي تعتمد على فرض التعريفات الجمركية المتبادلة كأداةٍ لإعادة التوازن إلى الميزان التجاري الأميركي. إعلانُه الأخير عن حزمةٍ جديدةٍ من الرسوم الجمركية، الأربعاء الماضي، ضدّ عددٍ من الشّركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة، يُثير تساؤلات حول مستقبل الاقتصاد العالمي، ومدى تأثير هذه السياسات في الأسواق الدولية. فبينما يرى البعض أنّ هذه الإجراءات ستعزّز الصناعة الأميركية وَتَحُدّ من العجز التجاري، يحذّر آخرون من تداعيات محتملة قد تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية، وسط تساؤلات عن إمكانية التوصّل إلى تسويات تفاوضية قبل تحوّل النزاع التجاري إلى أزمةٍ أوسع نطاقًا.
لكن إلى جانب كونها أداة لحماية الاقتصاد الأميركي، يستخدم ترامب هذه التعريفات الجمركية كوسيلة ضغط لتعزيز موقع الولايات المتحدة في المفاوضات التجارية. فقد اعتمد نهجًا مشابهًا خلال رئاسته الأولى، حين فرض تعريفات على الصين وكندا والمكسيك، ممّا ساهم في إعادة التفاوض على اتفاقيات مثل “USMCA”، التي جاءت وِفق رؤية أميركية أكثر توازنًا. واليوم، تمثل هذه الخطوة استمرارًا لاستراتيجيته القائمة على التفاوض من موقع قوّة، بهدف تحسين شروط التجارة الأميركية وضمان بيئة اقتصادية أكثر عدالة للشركات والعمّال الأميركيين.

ما هي التعريفات الجمركية المتبادلة؟
التعريفات الجمركية المتبادلة هي رسوم تفرضها دولة ما على واردات آتية من دولة أخرى، كردّ فعل على تعريفات جمركية فرضتها الأخيرة على بضائعها. وتعتبر هذه الإجراءات إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها الحكومات لتنظيم التجارة الخارجية، حيث يمكن أن تهدفَ إلى حماية الصناعات الوطنية، وتعديل الميزان التجاري، أو استخدامها كوسيلة ضغط في المفاوضات التجارية.
في الحالة الأميركية، تعدّ التعريفات الجمركية أداةً استراتيجيةً تُستخدم لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على السلع المستوردة، وهو ما يتماشى مع رؤية ترامب الاقتصادية التي تركّز على دعم الصناعات الأميركية وتحفيز إعادة التوطين الصناعي داخل الولايات المتحدة. خلال رئاسته الأولى، لجَأ ترامب إلى هذه السياسات في عدّة مواجهات تجارية، خصوصًا مع الصين، حيث فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق أدّت في النهاية إلى اتفاق “المرحلة الأولى” بين البلدين.

كيف ستعمل تعريفات ترامب المتبادلة؟
تستهدف التعريفات الجمركية التي أعلنها ترامب قطاعات استراتيجية تُعدّ محورية في الاقتصاد العالمي، مما يجعل تأثيرها واسع النطاق. تشمل هذه القطاعات: الصناعات التّكنولوجية، قطاع السيارات وقطع الغيار، المواد الخامّ مثل الصلب والألمنيوم، حيث ترى الإدارة الأميركية أنّ عددًا من الشركاء التجاريين قد استفادوا من ترتيباتٍ غير متكافئة خلال العقود الماضية. لذلك، تأتي هذه التعريفات كأداةِ ضغطٍ لإجبار هذه الدول على إعادة التفاوض بشأن اتفاقيات تجارية جديدة، تتماشى مع المصلحة الاقتصادية للولايات المتحدة.

هل هناك مجال للتفاوض؟
على الرَّغم من النهج الحازم الذي تتبنّاه الإدارة الأميركية في فرض التعريفات الجمركية المتبادلة، إلّا أنّ التجارب السابقة تُظهر أنّ هذه السياسات ليست بالضرورة نهاية مطلقة للمفاوضات التجارية، بل قد تكون أداة لإعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية وِفق شروط جديدة.
اليوم، يظلّ الباب مفتوحًا أمام الشركاء التجاريين للدخول في جولات تفاوضيّة تهدف إلى إيجاد حلول، قد تشمل تعديلات على الاتفاقيات التجارية الحالية، أو تقديم تنازلات متبادلة تسهم في تهدئة التوتّرات الاقتصادية. ويعتمد مدى نجاح هذه المفاوضات على المرونة التي ستبديها الأطراف المتأثرة بهذه الإجراءات، وكذلك على مدى استعداد الإدارة الأميركية لتقديم حوافز تجاريّة مقابل التزام الدول الأخرى بشروط جديدة أكثر توافقًا مع المصالح الأميركية.
وبالتّالي، فإنّ المرحلة المقبلة قد تشهد ديناميكية تفاوضية مكثفة، حيث تسعى الدول المتأثرة إلى تجنّب التصعيد التجاري، بينما تعمل الإدارة الأميركية على تعزيز موقعِها التفاوضي لضمان اتفاقيات تصب في مصلحة الاقتصاد الأميركي.
في نهاية المطاف، يبقى المشهد التجاري العالمي مفتوحًا على عدّة سيناريوهات، حيث قد تؤدّي هذه السياسات إلى تعزيز دور الولايات المتحدة في الاقتصاد الدولي، أو إلى تحوّلات جديدة في موازين القوى الاقتصادية. وبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى تحقيق مصالحها الاقتصادية، يبقى السؤال الأهم: هل ستدفع هذه الخطوات الدول الأخرى إلى تقديم تنازلات، أم أنها ستؤدّي إلى إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي بأسلوب مختلف؟.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us