موسم انتخابي – ولكن ما هو مقدار التغيير الذي سيحدث؟

ترجمة “هنا لبنان”
كتب David Hale لـ”this is beirut”:
ليست الاغتيالات والعنف السياسي بالأمر الغريب على الشعب اللبناني. والحال هي نفسها بالنسبة للشعب الأميركي، ولو أن تجربتنا في هذا الصدد بوتيرة ومنهجية أقل. ميزتنا أننا شعب مؤسسات وهذا يعني أننا قادرون على القيام بكل ما يتطلبه الأمر في مثل هذه الظروف، وإجراء التحقيقات الموثوقة والمحايدة والشفافة لتحديد ما حدث بالضبط. ولا شك بأنّ أصوات منظّري المؤامرة من الهوامش اليمنى واليسرى لمجتمعنا ترتفع على الدوام. ولكن وحدها الوقائع كفيلة بدحض التكهنات المتخفية بشكل أدلة أو تحاليل.
وبما أنّ النقاد لا بد وأن يكسبوا قوت يومهم، فاضت التحليلات حول انعكاسات محاولة اغتيال الرئيس السابق دونالد ترامب في بتلر بولاية بنسلفانيا، على الإنتخابات، على الرغم من مرور بضع ساعات بالكاد على الحادثة. ويتضح في هذه المرحلة التي ما زالت مبكرة، أنّ مهمة الديمقراطيين ازدادت صعوبة. بداية، هناك مسألة الصورة. فمن ناحية، عكست المناظرة الرئاسية التي جرت في 27 حزيران في أتلانتا، صورة يصعب محوها لرئيس حالي يكافح من أجل إيصال أفكار متماسكة، ويبدو أكبر بكثير من سنه، هو الذي يبلغ بالفعل 81 عاماً. ومن ناحية أخرى، هناك صورة أيقونية لخصمه عكست، في 13 تموز قدرته على تولي القيادة والتحدي وحضوره الذهني في ظرف صعب. تلك هي بالضبط السمات التي يبحث عنها العديد من الأميركيين والتي تستهويهم في القائد. وثانياً، هناك مسألة استراتيجية الحملة. سيجد الديمقراطيون، الذين أوقفوا بالفعل إعلانات الحملة التي تهاجم ترامب، صعوبة في استهداف هذا الأخير و”الجمهوريين من مناصري تيار ماغا” (MAGA) وتشويه صورتهم كما كانوا يفعلون أو كما كانوا يعتزمون لناحية توسيع النطاق. هؤلاء سيحتاجون إلى إعادة تفعيل الإستراتيجية. لقد وجه الرئيس بايدن خطابه إلى الأمة في 14 تموز. ودعا فيه إلى تهدئة الخطاب السياسي وانتهاج الخطاب القائم على حسن النية والعقل واللياقة. سننتظر وسنرى فيما بعد. تفصلنا أربعة أشهر عن انتخاباتنا وقد شهدنا بالفعل بعض التطورات المذهلة. وربما سيركز المرشحون على قضايا سياسية فعلية وملموسة، وهذا هو التغيير الذي قد يجده البعض الأكثر إثارة للدهشة على الإطلاق. بالنسبة لترامب من المهم قبل كل شيء، الالتزام بالطريق المسالمة وموضوع الوحدة الذي تبناه حتى الساعة؛ أما بالنسبة لبايدن، في حال اعتزل تصوير ترامب كتجسيد للشر، سوف يعتمد على تسليط الضوء على الرؤى المتنافسة حول مستقبلنا.
أما في ما يتعلق بالسياسة الخارجية واستراتيجية الدفاع الوطني في فترة ما بعد الانتخابات، قد يكون هناك قدر أكبر من الإجماع ــ بغض النظر عن هوية الفائز في نوفمبر ــ أكثر بكثير مما يبدي أي من الجانبين استعداداً للاعتراف به. وفي ما يتعلق بالقيود التجارية، الخلافات قليلة بين المرشحين، على الرغم من أنّ ترامب وعد بزيادتها بشكل أكبر. وفي ملف الهجرة، قد تخف حدة موقف بايدن الذي اتخذه عشية الانتخابات، في فترة ولايته الثانية إن حصلت، لكن الجمهوريين والديمقراطيين أظهروا في وقت سابق من هذا العام إمكانية التسوية والتوافق في الآراء في إطار الجهود المبذولة للسيطرة على حدودنا. كما أنّ هناك إجماع واسع النطاق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على النهج المتبع في التعامل مع الصين. أما بالنسبة للشرق الأوسط، فبغض النظر عن الفائز، سيفرض تصحيح مسار السياسة تجاه إيران بصفته أمراً حتمياً، خصوصاً وأنّ الزمن قد عفا عن دعم فريق بايدن لاستعادة الاتفاق النووي في خطة العمل الشاملة المشتركة. وسيضاعف ترامب استراتيجية الضغط الأقصى تجاه إيران؛ ومن غير الواضح ما قد يفعله الديمقراطيون، لكن سياستهم الحالية المتمثلة في عدم وجود سياسة، ليست مستدامة. وستكون إدارة ترامب أقل تفاؤلاً بشأن حل الدولتين للإسرائيليين والفلسطينيين. ولكن في كل الأحوال، من الصعب أن نرى كيف يمكن حتى لإدخال دبلوماسية أميركية خلاقة ومستنيرة وفعالة أن يسمح بالتغلب على الواقع الحالي المتمثل بعدم اهتمام أي من الإسرائيليين أو الفلسطينيين بالتسويات والمقايضات التي يتطلبها حلّ الدولتين– وأعني بـ ” الواقع الحالي” العقدين الماضيين. في ما يتعلق بحلف شمال الأطلسي، أوضح خطاب ترامب غير التقليدي أنّ الحلفاء لا يمكن أن يتوقعوا “ألا يدفعوا” – وبغض النظر عما قد يقوله أعداء ترامب، أدى هذا الخط المتشدد إلى زيادة الإنفاق الدفاعي من قبل العديد من أعضاء الناتو ووضع الأساس لـ”كوريغرافيا” بايدن حول مساهمات الناتو في الدفاع الذاتي لأوكرانيا. أحد التغيرات السياسية: من المرجح أن تسعى إدارة ترامب إلى زيادة الإنفاق الدفاعي الأميركي لتجاوز التضخم، على عكس ميزانيتنا الحالية. ومن شأن مثل هذا الموقف أن يساعد في تعزيز موقف الردع الأميركي ضد جهات فاعلة مثل الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. وستختلف لهجة الأمن القومي وأسلوب الرئاستين المحتملتين بشكل ملحوظ، ولكن بشكل أقل اختلافًا في الأهداف السياسية التي يسعى كل منهما لتحقيقها. ويحق لكل شخص إبداء رأيه الخاص حول النمط الذي يجذب الانتباه والفعالية بشكل أكثر ترجيحاً.
التغيير أقل مما قد يبدو للوهلة الأولى في الانتخابات الأخيرة في المملكة المتحدة وفرنسا وإيران. وعلى الرغم من أن تحول الناخبين نحو حزب العمال كان ضئيلاً، منحت خسارة دعم المحافظين لصالح الأحزاب الأصغر حجماً، حزب العمال أغلبية برلمانية ضخمة. ويستطيع حزب العمال القيام بما يريده بمعظمه في الوقت الحالي، ولكن من الحكمة ألا ينسى قادته أن الدعم الشعبي الذي يحظون به اليوم أقل بقليل مما كان عليه في العام 2019. ومن شأن البقاء على انسجام مع الرأي العام أن يمنع التغيير الجذري. وفي فرنسا، أدت الإنتخابات على مرحلتين، وظيفتها من خلال إبقاء الجبهة الوطنية في وضع حرج في الوقت الحالي، ولكن على حساب ما قد يشبه التعايش المعيق بين المعارضين. وبمواجهة وضع حرج على الجبهة الداخلية، قد يوجه الرئيس ماكرون طاقاته الوفيرة إلى السياسة الخارجية، حيث يتمتع بنفوذه الخاص. ومع ذلك، لا تستطيع فرنسا إنجاز الكثير بمفردها دون شركاء في حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي، وبالتالي هناك حواجز متأصلة هناك أيضاً.
وأخيراً، يعكس انتخاب شخص معتدل يتقبله النظام رئيساً لإيران توقاً شعبياً للتغيير على الأقل في ما يتعلق بقضايا الجندر وحقوق الإنسان، وربما الاقتصاد، ولكن السلطة ليست في أيدي الرئاسة، وتحديداً في ما يتعلق بالسياسات الخارجية. كما لا نتوقع أي تغيير في استراتيجية إيران المتمثلة في تهديد جيرانها من خلال وكلائها والسعي لتحقيق طموحاتها النووية.
بالتالي، على الرغم من كل الصخب، قد لا تكون احتمالات حدوث تغيير جذري في السياسات، للأفضل أو للأسوأ في العام 2025، كبيرة على أية حال.
ومع ذلك، ربما يبقى الاستثناء الرئيسي الوحيد هو الأهم: مَن مِن المرجح أن يعزز موقف الردع الأميركي بشكل أكبر: هل هو الرئيس الحالي الذي رأيناه في أتلانتا في السابع والعشرين من حزيران، أم منافسه الذي رأيناه في بتلر في الثالث عشر من تموز؟
مفتاح القرار بيد الناخبين.