الحرب والذعر الجماعي

ترجمة هنا لبنان 8 تشرين الثانى, 2024

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت Marilyne Jallad لـ”Ici Beyrouth“:

يختبر اللبنانيون منذ أكثر من عام، وطأة حرب لم يودوا الإنجرار إليها على الرغم من أنها تطاردهم في كل مكان.. المسيرات تحوم فوق الرؤوس على مدار الساعة والإغتيالات تنفذ على بعد أمتار قليلة من سياراتنا، والتفجيرات تهزّ كل كياننا وتسرق منا النوم والأحلام السرمدية. قوت يومنا توليفة من الفوضى وعدم اليقين والدم والموت ومجموعة مرعبة من الصور التي ترسخ الدمار في عقولنا وتغرقنا في حلقة مفرغة من الرعب. كل هذا الخوف يعصف في ظل أمل ضئيل بوقف إطلاق النار وتأجيل لوقف العنف إلى أجل غير مسمى.

فكيف ترى الناس يعيشون حياتهم اليومية في هذه الظروف؟ وماذا عن صحتهم النفسية؟ هل سيطر عليهم الخوف وخنقهم القلق أم أنهم يقضون أيامهم بشكل طبيعي أكثر أو أقل؟ وهل يمكننا اعتبار أن الذعر بات جماعياً مع اشتداد حدة الصراع بين الأطراف المعنية؟

بين الذعر والقلق الجماعي

يمكن الكلام عن الذعر الجماعي وفقاً للأكاديمية الوطنية للطب، في السياق الذي يعتري فيه هذا الشعور جميع الأفراد في المجتمع “في الوقت نفسه”. ويتسم هذا الخوف “بتراجع الوعي إلى مستوى قديم ومتهور واجتماعي، مما يؤدي إلى ردود فعل بدائية من الهروب اليائس، والإثارة غير المنضبطة والعنف أو الانتحار الجماعي”. وهذا ما يحدث مباشرة بعد الكوارث الطبيعية أو أثناء الحروب ويؤثر بشكل رئيسي على الضحايا المباشرين، ولكنه يتعلق أيضًا بالأفراد المنخرطين، مثل رجال الإنقاذ أو الشهود، بما في ذلك الصحفيين.

ومع ذلك، لفتت طبيبة ومعالجة نفسية طلبت التحفظ على هويتها إلى شعورها بخطأ ما. وأشارت في اتصال مع Ici Beyrouth إلى أنّ الذعر الجماعي محدود بزمن؛ وقد يستمر بضعة أيام، ولكن كل هذا يتوقف على كل شخص. أما في حال استمرار هذه الحالة لشهور عندها يمكن التكلم عن “قلق جماعي”.

عازار: مخاوف وسلوكيات

أما الدكتورة هنا عازار، وهي طبيبة نفسية في مستشفى رزق و”أوتيل ديو” والأستاذة في جامعة القديس يوسف، فتلحظ في العيادة وفي غرف الطوارئ نوعين من الناس في مجتمعنا الذي يعيش حالة حرب.

فمن ناحية، تقيم مجموعة في المناطق المستهدفة وتعيش فترة دراماتيكية وتعاني “القلق الجماعي”. فتظهر لدى هؤلاء الأشخاص جميعاً اضطرابات متلازمة ما بعد الصدمة بشكل “غير مسبوق” وبشكل حاد أحياناً، أو يختبرون أعراض تظهر بعد شهر أو شهرين. ويعيش هؤلاء “حالة من الذهول”، حيث يواجهون الموت وأهوال الحرب باستمرار. ويجد هؤلاء أنفسهم مجبرين على الهرب في باصات تحت القصف، أو قد يشهدون على وفاة أحبائهم أمام أعينهم أو على توزع الجرحى على الطرقات.

ومن بين الأعراض التي لاحظتها الطبيبة، “اضطرابات القلق والأرق وحالة التأهب حيث يتعين على المعنيين المغادرة في أي لحظة، واختبار القلق من فقدان أحد أفراد أسرتهم، وبالتالي الحزن الذي لا يصدق”. وتروي من وحي تجربتها كيف استقبلت أمًا أصيب ابنها بنوبة من الذعر لدى فرارهم من الجنوب. تقول: “لقد بدأ يرتجف فجأة ويعاني من خفقان القلب”. وتوضح الدكتورة عازار أن هذا ما يسمى “نوبة الهلع بعد القصف”.

ومن ناحية أخرى، هناك من يقيم في مناطق غير مستهدفة. لكن هذا لا يعني أنها بمنأى عن “رعب الليل وأصوات القنابل والمسيرات والروائح المنتشرة”. وتضرب الدكتورة عازار مثال سكان المناطق المحاذية للضاحية الجنوبية: الحدث والحازمية وبعبدا. “على الرغم من إدراكهم أنهم ليسوا أهدافًا محتملة، يتعرضون باستمرار لرعب بصري وسمعي يصم الآذان، ويلجأون للمهدئات من أجل النوم”.

يعيش هؤلاء السكان كل يوم نوعاً من الإنفصال: الليل لا يطاق ونشرات الأخبار تعج بالصور. ومع ذلك، عندما يبزغ النهار، يتعين عليهم الذهاب إلى العمل ومواصلة الحياة بشكل طبيعي. وتضرب الطبيبة النفسية المثال الرمزي لضربة النويري. “في غرفة الطوارئ، حسب ما تروي. استقبلنا أشخاصًا في حالة يرثى لها؛ رأوا ثلاثة مبانٍ تنهار في منطقة اعتقدوا أنها آمنة إلى حد ما. ثم شعروا بالقلق، بل إنّ بعضهم غادر منزله. أخبروني أنّ هذه المنطقة حتى ليست بمنأى عن الخطر!”

وتضيف: “أخبرني مريضان من عين الرمانة كيف عاشا من جديد رعب الحرب الأهلية عام 75. ويبدو أن كل شيء يعيد ذكريات مدفونة تظهر على السطح وتؤذي الجميع”، ولا توفر الصدمة أحداً حتى الناجين.

اغتيال نصر الله: بين الذهول والقلق الجماعي

لا يشعر عصام، 56 عاماً، وهو سائق سيارة أجرة لبناني، بالخشية عموماً لأنه “شهد حرب 1975. لكنني شعرت بالذهول للحظات، حسب ما يقول، عندما استهدفت خمس غارات مقر نصر الله في 27 أيلول.

والحكاية مشابهة بالنسبة لكاميل، فرنسية من مرسيليا (27 عاماً) تقيم في بيروت، ولا تتمتع بطبع متوتر. تعترف قائلة: “اهتز المبنى الذي أسكن فيه، لذلك شعرت بالخطر في مكان ما”.

واختبرت ماري ميشيل، الجدة الفرنسية اللبنانية (75 عامًا)، الصدمة وحدها في المنزل. “غطيت أذني واختبأت. هذا رد فعل اكتسبته خلال الحرب. شعرت بنفسي يضيق وبقلبي ينبض بسرعة كبيرة”. أصيبت ميشيل باضطراب ما بعد الصدمة، وهي التي تستذكر: “في 25 كانون الأول (ديسمبر) 1985، قُصف منزلنا. كنا مجتمعين حول مائدة العائلة نتناول بقايا الطعام من ليلة عيد الميلاد. أصرت ابنتي (حينها 8 سنوات) على تناول التونة وغادرت الغرفة برفقة مدبرة المنزل. سقطت الشظية على كرسيها الشاغر. كنت أجلس بجانبها على طاولة مستديرة، وأصابني كل شيء. وبعد بضعة أسابيع، انتقلت ماري ميشيل إلى باريس مع أطفالها، و70 غرزة في الرأس والكثير من العواطف المكبوتة. وبعد أربعة أيام من اغتيال نصر الله، عادت الأعراض للظهور. بدأ الأمر بالدوار والأرق وانعدام الأمان والشعور بأنني سأفقد وعيي. وكانت قد اختبرت بعض الإشارات المنبهة عام 2023، مع تداعيات الزلزال العنيف الذي حدث في سوريا وتركيا وانفجار مرفأ بيروت عام 2020. “ارتجف وجهي واجتاحني الخوف عند رؤية نوافذ المنزل. لقد تحطمت شقتي في الطابق العاشر”.

أما نوي (33 عاماً) الذي نشأ في جبال الألب، فيقول أنه معتاد على أصوات العبوات الناسفة التي تطلق الانهيارات الجليدية الاصطناعية من أجل تأمين منطقة التزلج. ويوضح أنّ “الخوف كان معديًا مع ذلك حيث أن الضربات غير مسبوقة”. وبدورها، قالت كلارا (22 عاماً)، وهي عاملة منزلية إثيوبية، إنها “تفاجأت، ولكن ليس أكثر” حيث أنها معتادة على صوت التفجيرات في بلدها.

ويؤكد جوزيف، (لبناني، 45 عاماً) أنه “لولا دواء زاناكس ومضاد الاكتئاب، ما كنت لأتمكن من التحكم في نوبات الهلع. كنت أقود سيارتي مقابل مستشفى “أوتيل ديو”. رأيت الدخان البرتقالي المتصاعد، وخرجت سيارتي عن السيطرة. شعرت بأنه زلزال وأصيب كل من حولي بالذعر. رأينا الرعب بأم أعيننا. وعلى الرغم من أننا علمنا أن الضربة استهدفت الضاحية الجنوبية، أغرقنا عدم اليقين. لم يفهم أحد ما يجري. كان انعدام الأمن تاماً. لم نعد نعرف ماذا نفعل: هل نتوقف أو نواصل رحلتنا”، تختم الدكتورة عازار.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us