الفصائل المسلحة في سوريا: الهوية والانتماء والمراكز الإستراتيجية

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت Natasha Metni Torbey لـ This is Beirut:
على الرغم من مضي أكثر من ثلاثة عشر عامًا على بداية الحرب، لا تزال سوريا مسرحًا لصراعات معقدة. وتتنافس العديد من الفصائل على السيطرة على مناطق نفوذ مختلفة. وهذا ما ترجم بالهجوم المباغت الذي شنته يوم الأربعاء الماضي، قوات المعارضة السورية بقيادة هيئة تحرير الشام من معقلها في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا. الأمر الذي أعاد إشعال التوترات في المنطقة. وحصل كل ذلك بالتزامن مع سريان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان. فما الذي يحصل في سوريا ومن هي القوى الرئيسية المتواجدة على الأرض؟ من هم الخصوم وأين تتمركز مناطق العمليات؟
النظام السوري وحلفاؤه
تقع حوالي 60 ٪ من الأراضي السورية، تحديداً في وسط وغرب وجنوب البلاد تحت سيطرة نظام بشار الأسد. ويحظى هذا الأخير بدعم روسيا، التي تحتفظ بقواعد استراتيجية في حميميم (قاعدة جوية) وطرطوس (قاعدة بحرية). كما يستفيد الأسد من دعم إيران، التي توفر له الدعم من خلال الميليشيات الشيعية (العراقية والأفغانية والباكستانية) والمستشارين العسكريين. وتخوض هذه القوات من حين لآخر مناوشات مع جماعات المتمردين والجهاديين في المناطق الطرفية مثل إدلب أو الصحراء السورية، حيث لا يزال تنظيم داعش نشطًا. وتقاتل هذه القوات إلى جانب مجموعة شبه عسكرية تعرف بقوات الدفاع الوطني الموالية للحكومة.
وفي هذا السياق، يشرح جان سيباستيان غييوم، الخبير والمستشار في الاستخبارات الاقتصادية والاستراتيجية ومؤسس شركة Celtic Intelligence، أنّ “القوات المسلحة السورية، التي تضم الجيش والقوات الجوية والبحرية، هي القوات النظامية للحكومة السورية. وقد تكبدت هذه الأخيرة منذ بدء الصراع عام 2011، خسائر وانشقاقات كبيرة لكنها حافظت على السيطرة على جزء كبير من الأراضي السورية”.
غييوم شرح أنّ “القوات المسلحة السورية تسيطر تحت قيادة الأسد، ومع شخصيات رئيسية مثل علي محمود عباس، وزير الدفاع منذ 2022، وماهر الأسد، شقيق الرئيس، بشكل أساسي على جنوب وغرب سوريا، بما في ذلك دمشق وحمص وحماة وساحل البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، أدت الهجمات الأخيرة التي شنتها قوات المعارضة إلى خسائر إقليمية، ولا سيما في حلب وأجزاء من حماة”.
ويشمل عتاد الجيش “أصولًا مختلفة، مثل دبابات T-72 وT-90، وطائرات مقاتلة من طراز MiG-29 وSu-24، وأنظمة دفاع جوي مقدمة من روسيا”.
أما قوات الدفاع الوطني، فأنشئت عام 2013 لتكملة القوات المسلحة السورية، وهي تضم ميليشيات موالية للحكومة ومجندة محليًا. ووفقا لغييوم: “تعمل هذه القوات تحت إشراف قادة محليين موالين للنظام، وتنشط في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وتشارك في عمليات إنفاذ القانون والدفاع الإقليمي”. كما أشار إلى أنّ قوات الدفاع الوطني تستخدم في المقام الأول الأسلحة الخفيفة والمركبات التكتيكية.
حزب الله
أما عن حزب الله الشيعي، فتدخل في سوريا اعتباراً من العام 2012 لدعم نظام الأسد. وهو متواجد على طول الحدود اللبنانية السورية وفي أجزاء من دمشق وحمص، ومجهز بصواريخ مضادة للدبابات وصواريخ ومسيرات، معظمها من إيران. ومع ذلك، انخرط الحزب الموالي لإيران منذ 8 أكتوبر 2023، في حرب ضد إسرائيل لدعم حماس في غزة، مما أدى لاستنزاف قدراته العسكرية بشكل كبير. كما تكبدت قيادته خسائر كبيرة بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية.
قوات سوريا الديمقراطية
تضم قوات سوريا الديمقراطية مقاتلين أكراد في المقام الأول، وهي تسيطر على حوالي 25٪ من الأراضي السورية، تحديداً في الشمال الشرقي، بما في ذلك الحسكة (مركزها الإداري)، والرقة (عاصمة داعش السابقة)، ودير الزور (الغنية بموارد النفط).
وتعمل قوات سوريا الديمقراطية، المعروفة باسم وحدات حماية الشعب، كجناح عسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي. ولعبت قوات سوريا الديمقراطية بدعم من الولايات المتحدة، دورًا رئيسيًا في مكافحة داعش. وتدير معسكرات اعتقال لآلاف من أعضاء داعش المشتبه بهم وعائلاتهم وغالبًا ما تستهدفها الهجمات التركية والتوترات الداخلية مع الفصائل العربية المحلية في دير الزور. أما قائدها الرئيسي فهو مظلوم عبدي.
وحسب غييوم، ينطوي الدور الحالي القوات سوريا الديمقراطية على “الحفاظ على النظام في المناطق المحررة من داعش ومكافحة التوغلات التي يشنها الجيش التركي والفصائل المتمردة التابعة له”. أما في ما يتعلق بالأسلحة، تستفيد القوات من الدعم اللوجستي والعسكري الأميركي، بما في ذلك بنادق M16 وM4، ومركبات همفي المدرعة والمدفعية الخفيفة وأنظمة AT-4 المضادة للدروع.
الجيش الوطني السوري
يضم الجيش الوطني السوري قوات المتمردين السوريين المدعومة من تركيا. وشنت هذه الأخيرة اعتباراً من العام 2016، عدة عمليات عسكرية في شمال سوريا. وأنشأت منطقة عازلة تحت سيطرتها المباشرة أو سيطرة الفصائل المحلية الموالية لتركيا، مثل الجيش الوطني السوري. وتمتد هذه المنطقة من جرابلس إلى عفرين وتشمل مناطق شرق الفرات.
ويتألف الجيش الوطني السوري، الذي تشكل عام 2017 تحت رعاية تركيا، حسب ما يشير غييوم، من فصائل معتدلة مختلفة مدعومة جزئيًا (من عام 2014 إلى عام 2018) من قبل وكالة المخابرات المركزية والبنتاغون. ويسيطر حاليًا على مناطق في شمال سوريا، بما في ذلك عفرين وجرابلس وأجزاء من محافظة حلب”. ويعتمد تسليحه في المقام الأول على “الإمدادات التركية، بما في ذلك البنادق الهجومية والمركبات المدرعة الخفيفة والمدفعية المتنقلة”.
هيئة تحرير الشام
تخضع إدلب، في الشمال الغربي للبلاد، لسيطرة هيئة تحرير الشام، وهي فرع سابق لتنظيم القاعدة. ويحكمها مجلس شورى ويتأثر بقادة دينيين وعسكريين. وتشتبك هيئة تحرير الشام بانتظام مع قوات النظام والفصائل المتمردة المنافسة.
الهيئة أعلنت استقلالها عن تنظيم القاعدة، حسب غييوم، في عام 2016 لتنأى بنفسها عن التنظيم وتكتسب الشرعية بين السكان المحليين والجهات الفاعلة الإقليمية. أما زعيمها فهو أبو محمد الجولاني، العضو السابق في تنظيم القاعدة.
“وسيطرت هيئة تحرير الشام على إدلب، آخر معقل رئيسي للمتمردين. وينشط أعضاؤها في شمال غرب سوريا، خصوصاً حول جسر الشغور وخان شيخون”، كما يضيف غييوم، مشيرًا إلى المحاولات الأخيرة للتوسع في حلب وحماة. وتمتلك هيئة تحرير الشام أسلحة خفيفة ومتوسطة، ومركبات مدرعة تم الاستيلاء عليها، ومدفعية محدودة وطائرات بدون طيار بدائية الصنع.
تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)
يواصل تنظيم الدولة الإسلامية على الرغم من هزيمته إقليميًا منذ عام 2019، شن هجمات متفرقة من الصحراء السورية ضد قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية. ويظل يشكل تهديدًا في المناطق الريفية النائية.
القوات الدولية
يعود وجود الولايات المتحدة في سوريا إلى العام 2014 كجزء من التحالف الدولي ضد داعش. وهي تحتفظ بقواعد في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، ولا سيما في حقل العمر (حقل نفطي) والتنف (بالقرب من الحدود الأردنية والعراقية). كما تمتلك قوات خاصة متمركزة في منطقتي دير الزور والحسكة. ويهدف وجودها في المقام الأول لمواجهة داعش واحتواء النفوذ الإيراني.
وبينما تلعب روسيا وإيران دورًا رئيسيًا في تقديم الدعم العسكري لنظام الأسد، تركز تصرفات تركيا على منع الحكم الذاتي الكردي بالقرب من حدودها. وتشارك تركيا عسكريًا في سوريا بشكل مباشر منذ عام 2016، بهدف منع إنشاء الحكم الذاتي الكردي على طول حدودها. ويوضح غييوم أنّ “المناطق التي تحتلها تقع في شمال سوريا، وخاصة في عفرين وجرابلس وتل أبيض، مع وجود قواعد عسكرية في هذه المناطق ومشاركة كبيرة للجيش التركي”. ويشمل دورها دعم الجيش الوطني السوري ومحاربة قوات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب.
وتتواجد روسيا عسكرياً في سوريا منذ عام 2015 وتلعب دوراً حاسماً في دعم نظام الأسد. وتقع قواعدها العسكرية في حميميم وطرطوس، في حين تعمل قواتها البرية والجوية في مناطق حساسة مثل إدلب وحلب وصحراء البادية. ويشير غييوم إلى أنّ “وزارة الدفاع الروسية تدير العمليات، حيث ينسق القادة الميدانيون العمليات العسكرية باستخدام طائرات مقاتلة من طراز سو-34 وطائرات هليكوبتر هجومية من طراز كا-52 وأنظمة الدفاع الجوي إس-400”.
ومنذ بداية الصراع، واظبت إيران على حد قول الخبير على توفير الدعم العسكري لنظام الأسد، “بما في ذلك نشر المستشارين العسكريين والمساعدة من الميليشيات الشيعية الأجنبية”. كما تشرف قوات الحرس الثوري الإسلامي على العمليات في سوريا، حيث تقع القواعد الإيرانية حالياً في جنوب وشرق سوريا، ولا سيما في مدينة البوكمال (بالقرب من الحدود العراقية). كما لطهران تواجد في دمشق ومحيطها، مع عناصر مجهزة بأسلحة خفيفة وثقيلة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية قصيرة المدى.