ما سرّ الجفاء بين العالم العربي والديمقراطية؟

ترجمة هنا لبنان 12 كانون الأول, 2024

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth”:

هل كُتب على العالم العربي أن يبقى أسير الجفاء مع الديمقراطية؟ الأمر أشبه بلعنة حقيقية! وكأنّ كل تلك الدول العربية لم يكتب لها أن تعرف أيّ ديمقراطية على الإطلاق. فعدا عن النظام اللبناني وديمقراطيته الهشّة، بقيت الخيارات محصورة منذ الإستقلال، لـ 400 مليون عربي تقريباً، ما بين دكتاتورية ودكتاتورية.. مع تفاوت من الأكثر إلى الأقل استبداداً. وها هي آخر أوراق هذه الأنظمة تتساقط في سوريا. ولن يسمع أيّ بكاء على الأطلال!

لقد تخطت عائلة الأسد، أو عائلة “الوحش” لإعتماد تسمية حقيقية وأكثر دقة، كل حدود الكراهية والعنف. وبعدما سارع الدكتاتور وأعوانه للفرار، عاش العالم حالة من الصدمة مع تكشف حجم الجرائم ضد الإنسانية..

جرائم هي المعيار والقاعدة في بلد مدمر. وعلى أي حال، تلك الحقيقة ليست بغريبة عن لبنان، بل هي محفورة في ذاكرة آلامه. لبنان لم يكن قط بمنأى عن وحشية نظام الأسد. لقد لمسها في كل فزع وفي كل حرب وعند كل اغتيال… بصمات ذلك النظام كانت ظاهرة على الدوام. ومنذ حصول لبنان على استقلاله أصلاً، لم يتحرر ذلك البلد المرهق من نير جاره الظالم.. نظام الأسد كان جلاد لبنان أيضاً والشعبان اللبناني والسوري اختبرا المعاناة نفسها.

وفي الأصل، كيف عسانا أن نتوقع ممن يسيء إلى شعبه إلى هذا الحد، أن ينظر بعين العطف لسواه؟

وبالتالي، من الطبيعي أن تتجه الأنظار في مرحلة من المراحل إلى “الجوالة” اللبنانيين الذين قضوا أيامهم ذهاباً وإياباً على طريق دمشق.. طبعاً ليس على شاكلة القديس بولس الباحث عن النور. هؤلاء الجوالة أفنوا عمراً على درب إرضاء أسيادهم.. وجلادينا. لم ينبس هؤلاء ببنت شفة.. أولئك الذين اعتادوا مبايعة الطغاة والذين لا يدينون بوجودهم إلا لعائلة الأسد وحدها. ولكن التغيير آتٍ لا محالة…

في الوقت الراهن، ينصب التركيز على عودة مئات المفقودين الذين كانوا في غياهب النسيان.. أولئك الذين عادوا مصدومين من هول الجحيم الذي عاشوه. وهو الوقت المناسب أيضًا للتطلع إلى آفاق المستقبل. فهل سيتعامل لبنان وسوريا كدولتين جارتين “طبيعيتين”؟ حتى اللحظة، برهنت المعارضة عن أداء لا تشوبه شائبة تقريباً. لا اضطهاد ولا إعدامات… وإذ ينحدر قادتها من الحركات الإسلامية، غالباً ما يعرّفون عن أنفسهم كقادة معتدلين يسعون لسوريا جديدة وحرة ومنفتحة تعيش بسلام ووئام مع الجميع وتحترم أقلياتها.

بالنسبة للبنان الذي لم يألف خطاب التسامح هذا، الأمر أشبه بالحلم! ولم تتوانَ المعارضة عن مفاجأة الجميع.. أقلها أولئك الذين لم يعلموا بخططها. أما الغرب فلا يدرك حتى الساعة ما المخرج لإزالة هذه المنظمات عن لائحة الإرهاب. ولهذه الغاية، يعكف حالياً على تطوير تصميم مقبول سياسياً. وبعدها، ستحلّ ساعة إعادة بناء البلاد التي دمرتها البعثية المجنونة على مدى 54 عاماً.. أجساداً وعقولاً. وماذا لو، أصبحت سوريا ديمقراطية أخيراً؟ ألن يزهر ذلك “الربيع العربي” الحقيقي؟ ذلك أنّ الربيع العربي بات منذ العام 2011، مرادفاً لـ”الكابوس العربي”.. ولم تزهر الحرية الحقة في أي مكان: تونس غارقة في فوضى سياسية يعصى فيها اتخاذ قرار، وليبيا، التي كانت أغنى دولة في أفريقيا، مجزأة بين أمراء الحرب الذين يجمعون بين الفساد والعنف.. حتى مع شبح القذافي الرهيب الذي لا يزال يلوح في الأفق. مصر ترزح تحت قبضة الجيش الحديدية، بعد تجربة كارثية مع الإخوان المسلمين في السلطة. أما اليمن فغارق في العصور الوسطى والحروب العبثية. وضع السودان مخيف مع تقسيم المناطق بين أشعث هنا ومستهتر هناك برتبة جنرال. وأما العراق، فمقسم إلى ثلاثة أجزاء، وفي الحكم فاسدون لا يبالون على الإطلاق بشعب مجرد من ثرواته.

فما سر كل هذا الجفاء بين الديمقراطية والعالم العربي؟ لماذا كل هذا التعارض؟ قد يجيب البعض بالإشارة إلى الصعوبات في التنمية الاقتصادية. غير صحيح! ها هي أميركا الوسطى واللاتينية، حيث باتت الدول الأكثر فقراً ديمقراطية. لقد تمكن الاتحاد الأوروبي، ولو بشكل غير كامل، من الجمع بين شعوب مختلفة للغاية على الرغم من أن الحروب فرقتها لقرون من الزمن. فهل من نقطة تلاقٍ بين اللاتفي واليوناني؟ أبداً، على الإطلاق. لا شيء يجمع بين الإثنين.. لا التاريخ ولا اللغة ولا الدين ولا التقاليد… ومع ذلك، يحمل الإثنان جواز السفر نفسه ويستفيدان من حرية التنقل نفسها ويمارسان الأعمال نفسها ويحملان في الجيب.. عملة واحدة.

فلماذا يشقى العالم العربي الذي يمتد على مساحة جغرافية متواصلة من المغرب إلى العراق، والذي ينطق بلسان واحد ويشترك في دين مهيمن، في اعتماد هذا النموذج؟ يحلو للبعض ربط هذه الحالة بمؤامرة سرية مزعومة ضد العرب. والأكثر غرابة أنّ البعض يصرون على تصديق ذلك. ولكن لحظة! الحقيقة مغايرة تماماً.. قادة السلطة وحدهم هم من يتحملون مسؤولية كل هذا الجفاء. وحتى إشعار آخر.. ها هم الأتراك والإيرانيون يرسمون اليوم مستقبل العرب.. تماماً كما كانت الحال منذ فجر التاريخ.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us