إنفجار مرفأ بيروت: وجدنا الشبح المنسي!

كتب Clément Fayol و Antoine Harari لـ”revue21.fr”:
أربع سنوات على انفجار مرفأ بيروت.. 235 قتيلاً وأكثر من 6 آلاف جريح، وفي المحصلة، التحقيق يصطدم بحائط الجمود. فما الذي يخفى وراء كل ذلك الغموض؟ من الذي كان يفترض به تسلم شحنة نيترات الأمونيوم التي رست في مرفأ بيروت عام 2013؟ ولماذا بقيت في المرفأ لمدة سبع سنوات على الرغم من جملة التحذيرات من خطورتها؟ وأين اختفى جزء من المخزون؟ التحقيقات المطولة أفضت لتحديد (XXI) شخصية رئيسية لم تظهر على الرادار من قبل: ألكسندر شيتشكين، وسيط روسي متحفظ للغاية، كان على تواصل مع مختلف الفاعلين في سياق الإمداد. التقينا به في أحد فنادق إسطنبول.. وعدنا بتفاصيل لقاء رمزي ومشحون.
الفصل 1 – سقيفة الألغاز
ليس الشبح الذي وصلنا إليه سوى الخيط الأساسي، الذي ما كان بالإمكان تخزين ثلاثة آلاف طن من نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت لولاه. ولولا هذا التخزين، لما حدث ذلك الإنفجار التاريخي. ذلك الشبح يدعى ألكسندر شيتشكين . لم تسلط عليه الأضواء ولم تتكبد شركته Dreymoor Fertilizers أي عناء أو قلق من التحقيقات القانونية الجارية. ولم يُذكر قط إسم تاجر الأسمدة الروسي. لم يخضع لأي استجواب، علماً بأن شحنة النيترات ما كانت لتصل إلى لبنان لولاه.
وبينما التحقيق في حالة من الجمود، يقضي الشبح أيامه دون أي مقاطعة.. فها نحن نعثر عليه بعد 3 أعوام من المطاردة، في أحد فنادق إسطنبول الفاخرة على ضفاف البوسفور وتحت شمس أكتوبر الجميلة.. يدقق في قائمة الطعام، بحثاً عن أطباق لا تثير حساسيته الغذائية.
الألغاز المحيطة بانفجار مرفأ بيروت كثيرة لدرجة أن قائمة التفاصيل المؤكدة لا تتخطى الأسطر القليلة: في 4 آب 2020، اندلع حريق لم يحدد مصدره في العنبر رقم 12. وفي نهاية فترة ما بعد الظهر، امتد الحريق حتى مستودع آخر، حيث تسبب بانفجارين.. أحدهما بحجم هائل. 235 شخصًا فقدوا حياتهم في الإنفجار بينما جُرح أكثر من 6 آلاف آخرين وطالت الأضرار مسافة كيلومترات. حجم الدمار يقدر بمليارات الدولارات. وفي تحقيق أجرته، أكدت فرقة متخصصة في المتفجرات من الشرطة الفرنسية، بناء على طلب من السلطات اللبنانية، أن نيترات الأمونيوم في العنبر الثاني هي التي انفجرت.
فما السبب وراء تواجد نيترات الأمونيوم في ذلك المكان؟ هل هو خطأ بشري؟ هل سقط سهواً؟ هل هو إهمال؟ أم إبقاء متعمد لغرض معين؟
تؤكد الوثيقة التي اطلعنا عليها أنّ “الفرضية المرتبطة بالتدخل البشري (الصدفة أو المتعمدة) وكذلك بالسبب الكهربائي، وبدرجة أقل السبب الكيميائي، تبقى مفتوحة”. وهذا ما حصل مثلاً في مصنع AZF، الذي يقع قريباً من مدينة تولوز الفرنسية، والذي انفجر عام 2001. وتسببت حينها مادة النيترات المخزنة بطريقة غير منظمة بانفجارات مروعة عندما لامستها النيران. وفي بيروت، بقيت النيترات في العنبر لمدة لا تقل عن سبع سنوات.
ومنذ ذلك الحين، بات أصل النيترات قضية رئيسية، فضلاً عن نوايا المستوردين، في خضم الحرب في سوريا، التي بدأت عام 2011. ولا شك بأن نيترات الأمونيوم من السماد ولكن تركيبتها حساسة، إذ يمكن تحويلها عن غرضها الأصلي واستخدامها كمادة متفجرة. ومن أجل شحنها، يلزم وجود اتفاق بين المنتج والمشتري، ويجب على الأخير (حسب تكوين المنتج) التأكيد بأنه المستخدم النهائي. كما يرتب الوسطاء عملية البيع ونقل البضاعة بين الاثنين.
ماذا عن التاجر الروسي؟
في سبتمبر 2013، عندما غادرت سفينة “Rhosus” (التي تحتاج للصيانة والتي ترفع العلم المولدافي) ميناء باتومي الجورجي في البحر الأسود، محملة بالنترات (من إنتاج شركة “Rustavi Azot” الجورجية). أما المشتري فهو “المصنع الوطني للمتفجرات في موزمبيق” بشكل رسمي. لكن الطلب كان مشبوهاً، حيث لم تسعَ الشركة الموزمبيقية أبداً لاستلام الشحنة. أما الوسيط في هذه الصفقة، فهي شركة “Savaro”، شركة وهمية تخفي مالكيها والمستفيدين منها. هذه هي الشركة التي قامت بتقديم الطلب. كل ذلك ذكر وسجل مسبقاً. لكن ما لم يُذكر، فهو أن Dreymoor Fertilizers هي مهندسة الصفقة، وهي التي ربطت بين مختلف الأطراف.
في يونيو 2021، تم التركيز للمرة الأولى على شركة “Dreymoor Fertilizers”، وذلك في بيروت. كنا صحفيين اثنين، أحدنا مقيم في جنيف والآخر في باريس. نحن معتادان على العمل معاً، خصوصاً في التحقيقات الدولية طويلة المدى. في تلك اللحظة، حاولنا تسليط الضوء على الزوايا المظلمة لهذه المأساة التي صدمت العالم بأسره. بعد عشرة أشهر على الانفجار، كانت المدينة لا تزال مدمرة. وكانت العديد من النوافذ والواجهات الزجاجية لا تزال محجوبة بالصناديق أو بألواح الخشب. شهدت بيروت آثار واحدة من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ.
في أحد المقاهي المتاخمة لشارع “دمشق” (الخط الفاصل قديماً بين بيروت الشرقية وتلك الغربية)، تمكنّا من الحصول على الوثيقة التي دفعتنا للبحث عن تاجر المواد. وهي نسخة من إذن تصدير نيترات الأمونيوم الذي انفجر. لم تذكر وثيقة الشحن (bill of lading) بتاريخ 23 سبتمبر 2013 شركة “Dreymoor Fertilizers” لكن عند تصفحنا لوثائق أخرى، جمعت من قبل الشرطة الجورجية والتي حصلنا عليها، وجدنا نسخة لاحقة من الوثيقة نفسها، بتاريخ 27 سبتمبر 2013 (وهو اليوم الذي غادرت فيه السفينة). وكان عقد النقل الذي يثبت الشحنة واضحًا: تم التصدير “من أجل ومن قبل شركة Dreymoor Fertilizers . وتؤكد وثيقة أخرى من السلطات الجمركية الجورجية أنّ الشركة الروسية دفعت مبلغ 803 آلاف دولار للشحنة.
وفقًا للمعلومات المجموعة، لعبت شركة Dreymoor Fertilizers دوراً مركزياً في هذه القضية، وهو ما يبدو أنه فات القضاة اللبنانيين وكذلك القضاة في فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. ويحقق هؤلاء الأخيرون في الأسباب وراء إبقاء نترات الأمونيوم سبع سنوات في العنبر، على الرغم من وجود توصيات صارمة بشأن تخزين هذه المادة الخطرة.
خلال هذه السنوات السبع، اختفت كمية كبيرة من البضاعة. ويقدر المحققون أنّ 500 طن فقط من نترات الأمونيوم انفجرت في بيروت. فما الذي حل بالـ 2200 طن المتبقية من أصل الـ 2700 طن التي وصلت إلى المرفأ عام 2013؟ ربما تم تهريب هذه الكمية إلى سوريا المجاورة، حيث استخدمت الفصائل المتحاربة نيترات الأمونيوم بشكل واسع لصناعة المتفجرات. وتثير هذه الفرضية العديد من الأسئلة حول مصير النطترات وكيفية استخدامها أو تحويلها على مر السنين.
الأمر بسيط: حتى وقت قريب، لم يرد ذكر ألكسندر شيتشكين على الإنترنت.
في مجال التجارة، ينفرد الوسيط الجيد بقدرته على تأمين الإمدادات وفرض نفسه كفاعل غير قابل للاستبدال. وهذا لا يعني بالضرورة الشهرة. ألكسندر شيتشكين رجل حذر. وهو المالك الوحيد لشركة Dreymoor Fertilizer، التي أسسها في أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة. وفي العام 2016، صرح للعدالة السويسرية بتحقيقه إيرادات سنوية بقيمة 1.5 مليار دولار. وعلى موقع الشركة، لا يظهر أي هيكل تنظيمي، ولا يُذكر اسمه. الخيوط الوحيدة التي تقود إليه تكمن في المحاكم. ففي الولايات المتحدة فقط، سجلت 10 نزاعات تتعلق بـ Dreymoor في السنوات الخمس عشرة الماضية. ولا يعتبر ذلك أمرًا غير عادي بالنسبة لشركة عالمية تتعامل بآلاف الأطنان من البضائع سنويًا. وترتبط معظم هذه النزاعات بمشاكل في التسليم أو مع شركات التأمين. وخضعت معظم النزاعات للتسوية بمعظمها بشكل هادئ وودي. في كل مرة، كانت Dreymoor ممثلة بواسطة محامين بارزين أو مدراء إقليميين.
على الرغم من إقامة ألكسندر شيتشكين في موسكو وعلى الرغم من أن معظم موظفيه الذين تم التعرف إليهم يحملون الجنسية الروسية، الشركة مسجلة في سنغافورة، ولا يوجد أي رابط مباشر بينها وبين روسيا. الأمر بسيط مجدداً: حتى وقت قريب، لم يرد أي ذكر لمؤسس الشركة على الإنترنت. وكان شيتشكين يختبئ خلف اسم مشترك مع نائب روسي، حيث يظهر هذا النائب عند البحث عن اسمه في محركات البحث. بهذه الطريقة، تمكن التاجر من متابعة أعماله بشكل سري. ومع ذلك، دخل دائرة الضوء فجأة قبل عامين، وبدأت تفاصيله الشخصية وأعماله بالظهور للعلن.
الشبح في لورين
استدعي ألكسندر شيتشكين إلى محكمة في مدينة نانسي، في نوفمبر 2022، للإدلاء بشهادته. حينها، أتى ليشهد ضد ديمتري مالينوفسكي، رجل الأعمال الأوكراني الذي يبدين لشيتشكين بـ 13 مليون يورو لقاء شحنة من الأسمدة لم يحصل عليها هذا الأخير قط. قدم شهادته ولكن دون جدوى. ولم يمنحه القضاء الفرنسي وضع “الضحية”، حيث اعتبر أنه لم يُثبت أن مالينوفسكي استخدم المال لشراء قصر “لا روشبوت” في بورغونيا، وهو جزء من القضية المتعلقة بـ “غسل الأموال” التي غطتها XXI في مارس 2024، وتتبعت تقلباتها المثيرة.
شكل خروج شيتشكين من الظل حدثًا حاسمًا. وبفضل ZZIIGG، الرسام القضائي الذي كان حاضرًا في الجلسة، تمكنا أخيرًا من إضافة تصور لهذا الاسم. وباستخدام أحد الرسومات، قارنّا وجهه بعدة صور جمعناها من وسائل التواصل الاجتماعي بفضل تسريب للبيانات الشخصية من قبل مواطنين روس عبر شبكة الدارك ويب. في أحد الملفات، عثرنا على تفاصيل هاتف التاجر. وتواصلنا معه وطلبنا مقابلته. حولنا في البداية إلى محاميه. ثم بعد عدة أشهر من النقاش عبر تطبيق “واتساب”، سنحت لنا الفرصة أخيرًا في بداية أكتوبر 2024. “سأتواجد في إسطنبول الخميس، وفي طشقند الأسبوع المقبل”. أخيراً، أتى الرد بعد رفض لأكثر من مرة وبعد إلغاء لقاء بصيغة مكالمة فيديو في اللحظة الأخيرة. هرعنا إلى تركيا، في حين أكدت لنا مصادر قضائية لبنانية كانت تحقق في انفجار مرفأ بيروت أنها لم تسمع أبدًا عن هذا الشخص.
الفصل 2 “بينغ بونغ” في اسطنبول
لم تخب تصوراتنا ووجدنا الشبح كما تخيلناه تمامًا. رجل ستيني نحيف، ذو ملامح متجهمة وبشرة مائلة إلى الاحمرار مع شعر أبيض المصفف على الجانبين. لم يرتدِ بدلة كما في الرسم الخاص بالجلسة. لكن زيه لم يخل من الرموز التي تشير إلى الأغنياء السلاف الذين قد نلتقي بهم في الفنادق الأوروبية الفخمة، على الريفيرا الفرنسية أو في منتجعات التزلج الراقية: “تي شيرت” ضيق من “دولتشي آند غابانا”، جينز، حذاء رياضي، وهاتف ذكي ضخم في يده.
التقينا به في فندق “كمبينسكي” في إسطنبول. فندق فاخر يقع على ضفاف البوسفور وبدا شيتشكين مرتاحاً وكأنه أحد زبائن المكان. هذا الرجل الذي انتهج الكثير من الحذر في البداية، وافق أخيراً على لقائنا مدفوعاً بغضبه الكبير من ديمتري مالينوفيسكي، رجل الأعمال الأوكراني الذي يدين له بمبلغ 13 مليون يورو. وتجدر الإشارة إلى أن مالينوفيسكي أدين في ربيع 2024 في محكمة الاستئناف، لكن التاجر الروسي لم ينل حقه بعد.
وضع ألكسندر شيتشكين قائمة الطعام على الطاولة، وأبقى نظارته على أنفه.. راقب قائمة الطعام بهدوء وطلب الحبار المشوي مع الباذنجان المقلي وكوباً من الشاي. بدأت المحادثة بشكل طبيعي والمحور، عدوه الشخصي. قالها بغضب: “أنا حاصل على شهادة في علم النفس، ويمكنني أن أخبركم أن الأمر مرضي. لقد احتال على كل من تعامل معهم وكان يحب ذلك. لقد اشترى مكانًا سياحيًا، قصرًا مشهورًا، وهذا أمر غبي تمامًا. لكن هذا ليس غباءً، إنه مرض نفسي.”
أخذ شيتشكين يتناول طعامه بهدوء، وبدا أكثر ارتياحاً في مشاركة الكلام، حتى انجرف النقاش نحو مرفأ بيروت وملف بيع النطترات. وإذا بوجهه يتغير، مصراً: “لا أذكر شيئاً. إذا أتيتم للحديث عن هذا الموضوع، فهذا يعني نهاية اللقاء. اعتقدت أنها كانت مقابلة حول مالينوفسكي. أما عن دريمور، فأنا لا أحتاج إلى دعاية”.
وفقا للخبراء، يمكن للوسطاء أن يكونوا هم أنفسهم أصحاب النيترات. وبالتالي يتحملون مسؤولية قانونية.
بعد الانفجار، أعلنت الشركة الموزمبيقية التي اشترت الشحنة عبر CNN الأميركية إنها لم تدفع ثمن البضائع مطلقًا. لذلك، وضح العديد من الخبراء في القانون البحري أو الحقوقيين الذين قابلناهم، أن الوسطاء قد يكونوا المالكين، وبالتالي هم مسؤولون قانونيًا. “إذا كانت سافارو مجرد شركة صورية، تقع المسؤولية على عاتق المالكين الحقيقيين. يقول مارك تايلور، الخبير في القانون الدولي والعقوبات، إن الوثائق التي تم الحصول عليها تشير إلى أن دريمور تمتلك الإجابات. وبعيدًا عن الجانب القانوني، فإن شركة ألكسندر شيتشكين بلا شك في قلب الصفقة التي يحاول المحققون في جميع أنحاء العالم فهمها. ومع ذلك، يصر التاجر على محاولة إقناعنا بأنه لا يعلم بما حدث: “نحن شركة دولية، ولا أرى سببًا للتشكيك في صفقتنا. لا علاقة لنا بما جرى”.
هل يمكنه إذًا أن يخبرنا المزيد عن شريكه الجورجي، مصنع “روستافي أزوت”؟ ها هو ينتج أسمدة زراعية يمكن استخدامها لصناعة المتفجرات، لكنها ليست متفجرات في حد ذاتها. هناك شهادة تؤكد عدم انفجارها.” يُحمل شيتشكين مسؤولية الانفجار لسلطات مرفأ بيروت. “المنتج آمن، إن لم يخزن قريباً من النار… وهذا ما حدث على ما يبدو في بيروت، إذا صدقت الصحافة.”
حطام مولدوفا
تتوالى أسئلتنا. ماذا تراه يعرف عن هذه الشركة الجورجية؟ إذا لم يكن موزمبيق هو المتلقي الفعلي لنترات الأمونيوم فما عساها نوايا الوسيط الآخر، “سافارو”، عندما اشترى هذه المادة باسم الشركة الأفريقية؟ هل من الممكن أن تكون طلبية “سافارو” في الواقع مجرد غطاء لإعادة بيع مادة متفجرة إلى المتحاربين في سوريا في ذروة الحرب الأهلية؟ يتوقف شيتشكين عن تناول الطعام ويصر على أنه لا يتذكر. “من يحتفظ بوثائق تعود إلى عام 2013؟”. ويتنصل من مسؤولية “روستافي”، على أساس أن كل الموردين كسواهم.
نهمّ بإخراج الوثائق التي تثبت العلاقة بينهما: رسائل تظهر أن الشركة الجورجية فرضت على “دريمور” لعب دور الوسيط في صفقة أخرى. وهنا يتغير اتجاه الحديث. بعد أن كان مصراً على النفي، يعترف بأنه يمتلك 10% من الأسهم منذ سنوات، لكن كان ذلك مجرد استثمار، دون أي حقوق (أي َفي اتخاذ القرار)”. ومنذ ذلك الحين، يوضح أن عملاق هندي هو “إندوراما”، هو الذي تولى شراء الأسهم. وأنه مرتبط بالشركة الجورجية فقط من خلال “اتفاق شراء مسبق” – وهذا اتفاق شراكة يتيح شراء البضائع قبل أن يتم إنتاجها، بهدف بيعها لاحقًا.
عادةً، يقع اختيار السفن على عاتق الشركات التجارية. لكن في هذه الحالة، تعد السفينة جزءاً أساسياً من المشكلة. كانت سفينة Rhosus هيكلاً متهالكاً على سطح الماء. كيف يمكن تفسير اختيار هذه السفينة بالتحديد للقيام برحلة تمتد لآلاف الكيلومترات، كما كان مخططاً في البداية؟ إذا استندنا للوثائق الرسمية، كانت السفينة (التي كان من المفترض أن تعبر البحر الأسود ثم تمر عبر قناة السويس إلى السواحل الموزمبيقية) لا تزال مدرجة في العام السابق في القائمة السوداء للسفن عالية المخاطر من قبل السلطات الجورجية. حتى أنها مُنعت من دخول جورجيا لسنوات.
ومن غير المستغرب أنه بمجرد مغادرتها البلاد محملة بنطترات الأمونيوم، بدأت المشاكل التقنية تتراكم. وبعد ذلك، قبالة سواحل بيروت، قررت التوقف رسميًا لتحميل آلات قياس الزلازل. عندها تم تنظيم تفريغ النطترات.
فقد شيتشكين أعصابه وجمع أغراضه استعدادًا للمغادرة.
تغير نبرته بشكل مفاجئ. في بداية اللقاء، حين سألناه عن دور شركته في الصفقة، كان موقفه حازماً وواضحاً: “نحن نؤجر السفينة، وبالتالي نحن نشتري المنتج، ونقوم بتحضيره للنقل”. وأضاف أن شركته تقوم في بعض الحالات بتخزين المنتجات قبل إعادة بيعها، “خاصة في البرازيل”. ولكن عندما تحولت المحادثة إلى انفجار المرفأ، بدأ يتراجع عن تصريحاته بشكل كبير. وقال: “هذه ليست مسؤوليتنا. حسب ما قرأته في الصحافة، تعطلت السفينة. وهذا طبيعي لكل الآليات. السفن تتعطل بين الحين والآخر”. ثم أعاد توجيه اللوم للسلطات اللبنانية، قائلاً: “هذه ليست مشكلة في السفينة، بل في السلطات المسؤولة عن المرفأ في بيروت التي لم تتخذ الإجراءات اللازمة”.
في هذه المرحلة من الاجتماع، فقد ألكسندر شيتشكين أعصابه بالتأكيد. جمع أغراضه، وجلس على حافة كرسيه، مستعدًا ليتركنا. حاولنا استغلال الدقائق الأخيرة لسؤاله حول شركة سافارو، المشتبه به الرئيسي في مختلف التحقيقات القانونية الجارية. وفي العام 2021، كشف OCCRP، وهو اتحاد من الصحفيين الاستقصائيين، أن هذه الشركة البريطانية كانت في الواقع شركة مزيفة مرتبطة برجال أعمال أوكرانيين. باختصار.
مؤامرة كبيرة؟
في العام 2022، وفي ذروة التحقيقات حول انفجار مرفأ بيروت، نجحت العدالة البريطانية بمنع المسؤولين عن شركة “سافارو” من تصفية شركتهم. أمرت المحكمة العليا بكشف هوية المالكين الحقيقيين للشركة، ولكن دون جدوى. وفي فبراير 2023، حكمت المحكمة على الشركة بتعويض أربع عائلات من الضحايا الذين رفعوا دعاوى ضدها. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال الغموض يكتنف الدور الحقيقي لشركة “سافارو”. يقول شيتشكين في هذا السياق: “لم ألتق بهم أبدًا، لكنني أعرف عنهم. هؤلاء الأشخاص كانوا، كما أعلم، ربما في مجال الأسمدة، بكميات صغيرة، ربما”. وهذا على الرغم من أن شركته تعاملت معهم، وكأنه نسى أنه أكد لنا قبل دقائق فقط ما يقوم به من تحقيقات أولية عن شركائه التجاريين. أضاف: “لا أعرف إن كنا قد تعاملنا معهم. سمعت عنهم من أحد التجار الذين ما عادوا في المجال… كانوا يستفسرون عن شيء ما”. لكنه رفض تقديم المزيد من التفاصيل رغم محاولاتنا المتكررة للاستفسار. وأمام المحكمة العليا البريطانية، كانت “سافارو” قد أكدت رسميًا أنها عقدت اتفاقًا مع “دريموور” في يوليو 2013، وهو ما يتعارض بشكل واضح مع تصريحات شيتشكين الذي ينكر أي معرفة أو تعامل مع الشركة.
بعد ساعتين من النقاش، بما في ذلك ساعة مشحونة بالتوتر، وصلنا إلى نهاية اللقاء. “أنتم تبحثون عن إبرة في كومة قش، لكن لا توجد إبرة أصلاً”، قالها التاجر وهو ينهض، ممسكًا بكيس بلاستيكي وبمحفظته الجلدية الصغيرة. “بصراحة، أنا أفهمكم. بصفتكم صحفيين، ترغبون في العثور على قصة مثيرة. يمكنني حتى تتبع مسار تفكيركم، خصوصاً بعد تلك الصفحة التاريخية. نعم، يبدو الأمر… أعني، خاصة أنني مواطن إسرائيلي منذ عام 2017… قد يظهر الأمر كأنه مؤامرة كبيرة.. كبيرة جدًا، لكن بالطبع، هذا ليس الواقع”.
بعد ساعتين، يبدو أنّ الندم تسلل أخيراً إلى نفس رجل الأعمال، فتركنا قائلاً: “كما اتفقنا، إذا كانت لديكم أسئلة إضافية، أرسلوا لنا القائمة” وهو يكتب التفاصيل. وبعد بضعة أسابيع، سألناه عن تفاصيل الوثائق التي ظهرت حديثًا والتي تؤكد دور دريمور. وتولى محاموه من لندن وباريس مهمة الرد.
أتت الرسالة واضحة: لا علاقة لموكلهم بالانفجار. اعترفوا بدور شركة ألكسندر شيتشكين بالصفقة، ولكنهم ذكروا أن “الشحنة كانت متجهة إلى موزمبيق حسب الوثائق”. ورفضوا تحميل المسؤولية عن اختيار السفينة لشركة Savaro وفقًا لهم، “إذن، فإن Savaro، وليس Dreymoor، هي المسؤولة عن المنتج بمجرد تحميله. وفي كل الأحوال، لم تكن دريمور تسيطر على ما حدث بعد تحميل المنتج على السفينة. وأصروا أخيرًا، على أن هذه الصفقة كانت “عادية تمامًا”، وموجهة إلى “عميل نشط ومعروف في السوق”.
الأكيد من جهة أخرى، هو أن الأدلة التي جمعناها حول دور الشركة في جورجيا تفتح مسارات جديدة للتحقيق القضائي بعد جمود منذ عامين. وسواء أكان شيتشكين شاهدًا عاديًا أو أنه من أعطى الأمر بتنظيم نقل النيترات، سيستحيل حل لغز 4 آب 2020 دون ألكسندر شيتشكين وشركته دريمور. أليس كل اكتشاف جديد بمثابة قطعة أساسية لإكمال اللغز والوصول إلى الحقيقة والعدالة”، حسب ما تأمل تانيا، المحامية اللبنانية التي فقدت زوجها في الإنفجار المدمر.