“بيروت ترنم”: فوشنيري.. ثورةٌ فَسَكينة فانتصار

ترجمة هنا لبنان 25 كانون الأول, 2024

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Alain E. Andrea لـ “Ici Beyrouth“:

تجربة موسيقية بنفحات روحانية وعلاجية، عاشتها بيروت الخالدة ضمن فعاليات مهرجان “بيروت ترنم”. جدران كاتدرائية القديس إلياس في القنطاري عبقت الأحد الماضي بألحان عازف البيانو ثيو فوشنيري، المكرم بجائزة في جنيف والذي شارك نغماته التعبيرية والرومانسية أمام جمهور متعطش للسكون في زمن الإضطرابات.

في اليوم المرتقب للحفل، تحديداً في 22 كانون الأول، بدت الأمطار أشبه بدموع تتساقط على جبين بيروت. في الطريق إلى الكنيسة، الأفكار تضيع بين أنقاض العاصمة والجراح المفتوحة التي ما زالت تنزف من أهوال الحرب. في ذلك المساء، تساقطت حبيبات المطر خفيفة كأنما تخشى أن تؤلم بيروت.. تبلسم جراح المدينة الحبيبة وتستريح على خدها كقبلة ملائكية في موسم الميلاد، مع وعد بمعمودية جديدة، حاملة الرجاء. رجاء يكفينا كزاد مهما بدا هشاً.

الساعة السابعة مساءً، والكنيسة تغص بالمحبين. مهرجان “بيروت ترنم” يستضيف موهبة استثنائية: ثيو فوشنيري، عازف البيانو الشاب والفائز بالجائزة الأولى في مسابقة جنيف الدولية لعام 2018. العيون كلها مسمرة على المذبح، تنتظر بفارغ الصبر، تشير إلى التعطش للجمال والعجب في هذه الأوقات المضطربة. “أخيراً، ها هي الحياة تعيد التقاط أنفاسها.. ها هي الثقافة تنبض من جديد”، تمتمت امرأة بحماس بعد صمت ثقيل فرضته الحرب. خفتت الهمسات فجأة. الكلمة لميشلين أبي سمرا، مؤسسة مهرجان “بيروت ترنم”، ثم لساندرا دو وال، سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان، التي أصرت على التأثير العلاجي للموسيقى، والتي جددت دعمها للفن وللثقافة في أرض الأرز.

زخم وثورة

استهل الحفل بالسوناتا رقم 21 بعنوان Waldstein، للودفيغ فان بيتهوفن (1770-1827). صوت البيانو يحملنا مع النغمات الأولى، ولو أن العناية بالآلات بشكل أكبر بعد كانت لترفع القطع الموسيقية الخمس إلى مقام عظيم. المقطوعة تسمح باستكشاف مناطق صوتية جديدة، من خلال الموسيقى التي أشارت حتى قبل سوناتات هامركلافيير، ضمنًا إلى “البيانو الجديد”، وفقًا لبرنارد فورنييه، المتخصص الأوروبي الكبير في أعمال العبقري بون. هذا بالضبط ما وصفه أندريه بوكوريشليف بـ “الكون الصوتي الحديث”، في عمله بيتهوفن (1963)، المنشور ضمن ” Solfèges” من مطبوعات دار Seuil.

فوشنيري يتفرد ببلاغة متواضعة وتعبير خفيف وتوازن مثير للاهتمام في تقديمه للتحفة الفنية. ومع ذلك، فإن الدافع الثوري الذي يحرك هذه المقطوعة، مع انقطاعاتها الخطابية والتعبيرية، وكذلك التغيرات المفاجئة في الفروق الدقيقة والألوان والمزاج، يشقى قليلاً تحت أنامله، لا سيما في الحركة الأولى، Allegro con Brio. وبقيت الشعرية المتباينة، الأساسية للعمل وللروح البيتهوفينية، في الخلفية في نهج أكثر احتواءً. ثم تكشفت طاقة العازف تدريجياً بشكل أكثر حزماً، في الحركتين الأخريين، Introduzione وRondo، ومعها الثراء الصوتي. ثم إتقان تام يستحق التحية للتريلز في كل من Allegretto moderato وفي Prestissimo.

دموع.. فرح ورضا

مع الإقتراب من مقطوعة فريديريك شوبان (1810-1849)، وتحديداً la Ballade n°4 op.52 ، رائعة المقطوعات الرومانسية في القرن التاسع عشر، الكل تسمر في مكانه على الفور. التركيز على العازف، ذلك الصائغ الحقيقي للصوت، مع أداء يزاوج الارتجال، ويبرز انعكاسًا داخليًا عميقًا، بعيدًا عن المسار المطروق للتنفيذ الفني البسيط. قدرته على الأداء والوصف والحلم تأخذ المستمع في رحلة بين الوعي واللاوعي. الألحان الاستبطانية آسرة وتمتزج بلحظات استثنائية تعكس الثراء التعبيري ما بين الانفجار الموسيقي والصمت.. في ذلك المساء، ترافق التصفيق مع دموع السعادة والرضا.

هدوء وسكينة

بعد استراحة دامت نحو عشر دقائق، استعاد كل من العازف والجمهور النشاط، وصعد فوشنيري المسرح لأداء مقطوعتين ليلتين لغابرييل فوري (1845-1924): الموسيقى الهادئة في مقطوعتي op.36 وop.63. يمثل هذا الاختيار، المكرر والرمزي، إشارة عميقة للذكرى المئوية لوفاة الملحن الفرنسي. ها هي السكينة تحل بعد العاصفة الموسيقية التي سادت خلال الجزء الأول من الحفل. إذا كانت بعض المقاطع، التي تنضح بالموهبة، تشهد على الإتقان الفني لعازف البيانو، ولا سيما في Opus 63، يعكس الأداء الكلي أسلوب فوري الموسيقي الهادئ والعاطفي.

وها هي مقطوعة La Fantaisie, op. 17 لروبرت شومان شومان (1810-1856)، تأتي لتتوج الحفل على امتداد حوالي ثلاثين دقيقة. فوشنيري استطاع أن يُظهر براعة فنية تجمع بين المهارة التقنية والحساسية العاطفية. اتسم الأداء في “سلاسة خط اللحن” و”مرونة الإيقاع”، محدثة توازنًا رائعًا بين التقنية والحساسية في الأداء. فأتى ليذكر بأن الموسيقى، أبعد من مجرد تكوين فكري بسيط بل هي أقرب لتجربة حسية. وههنا، يكمن لسوء الحظ، حجر العثرة أمام العديد من مؤلفي الموسيقى المعاصرة، ولا سيما مؤلفي الموسيقى الأتونالية. من خلال تفضيل الجانب الفكري والنظري للتأليف، غالبًا ما يهمل هؤلاء الجانب الحي والعاطفي للموسيقى، والذي يجب أن يبقى في قلب التجربة الموسيقية. وتجدر الإشارة ولو أن النقطة خارج السياق، إلى أن نهجهم الفكري المجرد للغاية والمنفصل عن العاطفة يخلق فجوة بين العمل والمستمع، مما يجعل الموسيقى أقل “حيوية”.

أخيراً، وعلى الرغم من بعض التحديات الطفيفة التي واجهها العازف، يبقى أداؤه شاهداً بشكل خاص على إتقانه الفني الكبير خصوصاً في الجزء الختامي للحركة الثانية من Mässig, durchaus energisch (حيث حافظ على الإعتدال والنشاط). وظهرت كل مهاراته التقنية العالية وحقق نجاحاً متوقعاً.. وعلى أي حال، لم نتوقع أقل من ذلك من الفائز في جنيف التي كرمت على مر السنين، أعظم عازفي البيانو على الساحة الموسيقية، بمن فيهم مارثا أرغيريتش ودومينيك ميرلي (مقابل ماوريتسيو بوليني) في العام 1957.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us