إسرائيل تحتفظ بـ”التلال الخمس”: ما هي أبرز التحديات؟

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
هل انسحبت إسرائيل بالكامل من الأراضي اللبنانية؟ كلا، خصوصًا بعد إعلان تل أبيب الإثنين بسط يدها على خمسة مواقع استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية. ويثير الإبقاء على هذه النقاط بالتحديد جملةً من التساؤلات حول النوايا الاستراتيجية لإسرائيل على المدى القريب والبعيد على حدّ سواء.
وفي الموعد المحدد لانتهاء ترتيبات الهدنة أمس (الثلاثاء)، كان يفترض بإسرائيل الخروج من جنوب لبنان، ومع ذلك أبقت على جنودها في المواقع الخمسة التالية:
– تلة العزّية التي تبعد 2 كلم عن الحدود في خراج دير سريان. وتشرف على نهر الليطاني من جهة المحمودية في قضاء مرجعيون، وتشرف على الجانب اللبناني.
– تلة العويْضة التي تبعد كيلومترًا واحدًا عن الحدود، وتقع بين العديسة وكفركلا وهي التلة الوحيدة المشرفة على المطلة وباقي المستوطنات الإسرائيلية.
– تلة اللبّونة التي تبعد 300 متر عن الحدود مع إسرائيل، وهي منطقة حرجية كثيفة في خراج علما الشعب والناقورة. وتطلّ على الأراضي اللبنانية والإسرائيلية.
– تلة الحمامص التي تبعد كيلومترًا واحدًا عن الخط الأزرق. وتقع في أطراف بلدة الخيام، وتشرف على المطلة من الشمال.
– تلة جبل بلاط: تقع على بعد كيلومترٍ واحدٍ من الخط الأزرق، بين راميا ومروحين، وتطل على جانبَيْ القطاعين الغربي والأوسط.
موعد الانسحاب الإسرائيلي من هذه النقاط الخمس لم يحدّد بعد. وتعتبر إسرائيل أن هذه النقاط استراتيجية لأنها تسمح لها بضمان أمن شريطها الحدودي الشمالي، لتمكين الإسرائيليين من العودة اعتبارًا من الأول من آذار.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024 وحتّى تمديد مهلته إلى 18 شباط، لم ينهِ فعليًّا العمليات العسكرية الإسرائيلية.
التوتّر في جنوب لبنان يزداد والوضع يتأرجح بين هدوء حذر وتصعيد العنف، خصوصًا في اليومين الماضيين. فعدا عن الهجمات الإسرائيلية يومي الأحد والاثنين، اندلعت أزمة ديبلوماسية بين الدولة اللبنانية وإيران، الداعم والمموّل الرئيسي لحزب الله. وذلك على خلفية قرار لبنان منع الرحلات الجوية الإيرانية إلى بيروت منذ يوم الخميس الماضي. بالنّتيجة، زاد التصعيد بين الدولة اللبنانية وحزب الله، بالتوازي مع اتهام إسرائيل لحزب الله باستخدام مطار بيروت الدولي لنقل أموال إيرانية. وأصرّ الحزب على رفض هذه الاتهامات، واضعًا إياها في إطار التدخّل الإسرائيلي السافر والانتهاك للسيادة اللبنانية. وطالب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، مساء الأحد، الحكومة اللبنانية بالتراجع عن قرار حظر الرحلات الإيرانية، في خطوة تعكس مدى الضغوط التي يواجهها الحزب حاليًا. وعلى الرَّغم من أن هذه الأزمة الديبلوماسية “موقتة”، لا تبشّر الأزمة الأمنية بالخيْر، ويبدو أنها مرشحة للاستمرار لفترة أطول بعد.
ومن الجانب الإسرائيلي، تصرّ تل أبيب على اتهام حزب الله بمواصلة أنشطته العسكرية، وهي تشترط تعديل استراتيجيتها العسكرية وفقًا لقادتها، بالضمانات الملموسة حول نزع سلاح الميليشيا الموالية لإيران وتحقيق الاستقرار في لبنان. وفي هذا السّياق، يوضح دافيد ريغولي-روز، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS) ومدير مجلة Orients stratégiques، “إمكانية تفسير إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بهذه المواقع العسكرية بالأوضاع الرّاهنة وبمحاولات حزب الله إعادة التسلّح والاستفادة من التمويل الخارجي”.
ووِفقًا لريغولي-روز، “الوضع لا يزال شديد التوتر والغارات الإسرائيلية التي تستهدف مواقع تابعة لحزب الله مستمرة”. ويشير الباحث في هذا السّياق إلى أنّ إسرائيل قدمت شكوى إلى اللجنة الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار بخصوص ترسانة حزب الله، والتي لم يتم تفكيكها. ويرى أن هذه الخطوة تعكس رسالة واضحة مفادها بأنّ “الجيش اللبناني لم يحقِّق كل ما ينبغي – أو ما يمكن – تحقيقه على الرَّغم من الجهود الكبيرة التي بذلها”.
ومن الجانب اللبناني، تواصل الحكومة العمل في ظلّ الأزمات المعقّدة، ممزقةً بين التوقعات الدولية بفرض الاستقرار والتحديات الداخلية المتفاقمة. ويزيد الوجود العسكري المسلح لحزب الله، خصوصًا في جنوب نهر الليطاني الوضع تعقيدًا. ومع ذلك، يجد البروفيسور ريغولي-روز، أنّ نفوذ الحزب يتراجع بشكل متزايد. وأضاف أن هذه الديناميكية الجديدة تعكس خسارة تدريجية لتأثير الحزب في المشهد السياسي اللبناني.
وقف إطلاق النار: خطوة فاشلة؟
وفقًا لمصادر أمنية، يرتبط إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بخمسة مواقع عسكرية في جنوب لبنان بقناعتها بأنّها “لم تحقق جميع أهدافها بعد”، إضافة إلى “خطة استراتيجية أوسع نطاقا”.
وتؤكِّدُ مصادر أمنية أنّ “وقف إطلاق النار كان خطأً”، موضحة أنّ “إسرائيل وافقت عليه لسببين رئيسيين: أولًا، بناء على ضمانات أميركية مفادها بأن واشنطن ستتكفل بالقضاء على حزب الله. وثانيًا، لإثبات أن غياب الوجود الحقيقي لمفهوم الدولة أو الشعب أو الأمة في لبنان، في ظلّ الفراغ وعدم اكتمال صلاحيات الحكومة”.
وترى هذه المصادر أن “غياب الدولة يبرّر بالنسبة لإسرائيل، مجموعة واسعة من الإجراءات”، مما يفسر تمسكها بالمواقع الاستراتيجية الخمسة. لكنّ الأمر لا يقتصر على ذلك، حيث تؤكد المصادر نفسها أن إسرائيل “تسعى أيضًا لفرض سيطرتها على قمة جبل الشيخ وتأمين مصادر نهر الأردن ونهر الحاصباني وتوسيع رقعة النفوذ حتى نهر الليطاني وإنشاء منطقة عازلة واسعة في الجنوب، بشكل يتيح التصدي لأي صواريخ قد يطلقها حزب الله مستقبلًا”.
وماذا عن حزب الله؟ وفقًا للمصادر الأمنية نفسها، كان يفترض بوقف إطلاق النار أن يشكل فترة استراحة للحزب ويتيح له إعادة تنظيم صفوفه بعد خسائر فادحة على أكثر من صعيد، ومنح إيران الفرصة لمواصلة استراتيجيتها في البحر الأبيض المتوسط من خلال تعزيز قبضتها على الدولة اللبنانية. لكنّ هذا المشروع بات صعب المنال، خصوصًا بعد انتخاب جوزاف عون، الذي يحمل مشروعًا سياديًّا يتعارض مع طموحات حزب الله وإيران، رئيسًا للجمهورية. وهذا ما أدّى إلى تقويض هذا الحلم بشكل كامل.
وعلى أي حال، يبقى الوضع الحالي، وهو دقيق ومفتوح على عدّة احتمالات، رهينة التباينات الاستراتيجية بين إسرائيل ولبنان وحزب الله والقوى العالمية الكبرى. وبالتالي، يبقى مستقبل المنطقة منوطًا بقدرة كل طرف على إدارة التوترات… وما أكبره من تحدٍّ في مثل هذا السياق المعقد!.