إعادة ضبط الدماغ: 72 ساعة بعيدًا عن الشاشات

ترجمة هنا لبنان 28 آذار, 2025

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”This is Beirut“:

خلصت دراسةٌ رائدةٌ لجامعتي هايدلبرغ وكولونيا أنّ 72 ساعةً بعيدًا عن شاشة الهاتف كفيلةً بإحداث تغيّرات عصبية كبيرة. الدراسة التي تعود للعام 2024 تكشف الأبعاد الخفية لاعتمادنا على التّكنولوجيا من خلال تجربة تتراوح فيها النتائج من أعراض الانسحاب إلى الشعور بالتحرّر الذهني. فهل يمكن إعادة ضبط الدماغ؟

الهاتف الذكي الذي يكاد يشكل امتدادنا الرقمي، أتراه إدماننا الجديد؟ هل يمكن لأي كان تخيّل الأيام من دون ذلك الرفيق المتغلغل في كل مفاصل الحياة؟ الهاتف يوقظنا صباحًا ويوجهنا في تنقلاتنا ويوثّق لحظاتنا ويبقينا على تواصلٍ دائم. لقد بات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا من دون شك، لكن بأي ثمن؟ الإجابة في أعمال لباحثين في ألمانيا كشفوا عن التأثيرات التي تطرأ في أدمغتنا عندما نتجرّأ على قطع هذا الارتباط الرّقمي لمدة ثلاثة أيام فقط (جامعتا هايدلبرغ وكولونيا، 2024 –ScienceAlert).

واليوم، ما عاد بالإمكان حصر إدمان الهواتف الذكية في سياق الفرضيّات، بل بات حقيقةً علميةً مثبتة. وأظهرت الأبحاث أن علاقتنا بهذه الأجهزة تُحفّز الدوائر العصبيّة المرتبطة بالسلوكيّات الإدمانية الأخرى نفسها. ويمكن أن نقرأ في مجلتيْ Frontiers in Psychology وFrontiers in Psychiatry أنّ الاستخدام المفرط للهواتف الذكية يحفّز إفراز الدوبامين، النّاقل العصبي المسؤول عن الشعور بالمتعة، مما يخلق دورة يصعب كسرها من الشعور بالمكافأة والاعتماد (لي وآخرون، 2022؛ Frontiers in Psychiatry).

وتترجم عوارض هذا الإدمان في القلق الذي يجتاحنا لدى غياب الهاتف وفقدان السيطرة على مدّة الاستخدام، والتراجع العام في الرفاهية النفسية. فما الذي قد يحدث عندما نحرم الدماغ فجأة من هذا التدفق المستمر من المحفّزات؟ توفر تجربة هايدلبرغ وكولونيا رؤى كبيرةً، حيث استخدم الباحثون تقنية التصوير بالرّنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لرصد التغيّرات العصبية التي تطرأ على الدماغ.

ومن أهم الاكتشافات التي خلصت إليها الدراسة، الانخفاض الحادّ في نشاط “النواة المتكئة”، وهي منطقة أساسية في نظام المكافأة في الدماغ. عادةً ما يتم تنشيط هذه المنطقة مع كل إشعار يصل إلى الهاتف أو كل تفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن عند الامتناع عن استخدام الهاتف، تظهر أعراض تشبه تلك المُصاحبة للانسحاب من الكحول أو النيكوتين. يشعر المشاركون بحالة انسحاب رقمي حقيقيّة، تتجسّد في تزايد التهيّج والقلق الملموس. ومع اختفاء التحفيز الاجتماعي المعتاد بشكل فجائي، يحلّ شعور بالضياع وعدم السيطرة.

إعادة التوازن الدماغي

وللمفارقة، سرعان هذه المرحلة المؤلمة ما تفسح المجال أمام فوائد غير متوقّعة. فقد لاحظ الباحثون بعد مرور 72 ساعة فقط من دون هاتف ذكي، زيادةً ملحوظةً في مستويات السيروتونين، الناقل العصبي الأساسي للتوازن العاطفي. ومع التخلص من مصادر الإلهاء المستمرة، يبدأ الدماغ استعادة إيقاعه الطبيعي.

وحسب الدراسة، قد يواجِه الأشخاص في البداية صعوبةً في التركيز، لكن ذلك يتحسّن تدريجيًا ليصبح التركيز أعمق وأكثر استدامة. فبغياب الانقطاع المتكرّر نتيجة الإشعارات، يُعيد العقل تعلّم التركيز على مهمة واحدة، وبالتالي تتحسّن الإنتاجية وجودة العمل الذهني. هذه النتائج تتوافق مع تلك التي خلصت إليها دراسة نُشرت في Nature Human Behavior عام 2022، حوْل الرابط بيْن تقليل التعرّض الرقمي والقدرة على معالجة المعلومات واتخاذ قرارات أكثر استنارة.

ومن الفوائد الأخرى للابتعاد عن الشاشات، تحسين جودة النوم. فالإضاءة الزرقاء المنبعثة من الشاشات، خصوصًا قبل النوم، تعرْقل إنتاج الميلاتونين، الهرمون المنظّم لدورة النوم. ولاحظ المشاركون تحسنًا واضحًا في مدّة النوم وجودته عند الابتعاد عن الشاشات. وتدعم هذه النتائج دراسة نشرتها Sleep Research Society عام 2023، حول الرابط بيْن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية قبل النوم واضطراب النوم العميق، مما يؤثر سلبًا في الاستشفاء العقلي والجسدي.

العلاقات الاجتماعية الحقيقية

هذا العزل الرقمي كشف بشكل مدهش عن فائدة اجتماعية غير متوقعة. فعند انعدام التفاعل الافتراضي، أعاد المشاركون اكتشاف عمق التواصل المباشر وجهًا لوجه. وبعيدًا عن إلهاءات الشاشة، باتت المحادثات أكثر عمقًا وصدقًا. وأكدت دراسة نُشرت عام 2023 في Journal of Social and Personal Relationships (وانغ وآخرون) أنّ الإفراط في استخدام الشاشات يؤثر سلبًا في جودة العلاقات الاجتماعية. وفي ظلّ الانقطاع عن الهواتف الذكية، تعزّزت الروابط العاطفية، وهذا ما أعاد للقيم الإنسانية معناها الحقيقي.

هذه التجربة تدفعنا لإعادة التفكير في علاقتنا مع التّكنولوجيا الرقمية. وبدلًا من تبنّي الحظر الصارم، يقترح الباحثون نهجًا أكثر توازنًا. ومن الاستراتيجيات التي تحدّ من سيطرة الهواتف الذكية على عقولنا، تقليل الإشعارات لتجنّب التشتيت المستمر وتحديد أوقات خالية من الشاشات (تحديدًا قبل النوم)، وأخذ فترات استراحة رقمية بانتظام.

يأتي هذا التوجه في إطار الحركة المتنامية للتخلّص من السموم الرقمية والتي تهدف إلى تخصيص فترات راحة من الشاشات لتقليل التوتر وتعزيز التركيز واستعادة التوازن العقلي. وتُقدّم الدراسة الألمانية دليلًا علميًا يدعم هذا الاتجاه، الذي كان يُنظر إليه سابقًا على أنه مجرّد مبادرة فردية أو اتجاه لتحسين جودة الحياة.

ولعلّ الدرس الأهم الذي يمكن تعلّمه من هذه التجربة هو استعادة السيطرة. وتتجاوز أهمية هذه الدراسة مجرد التأثيرات العصبية المرصودة والتي تذكّرنا بأنّ أدمغتنا، التي تطورت عبْر ملايين السنين، لم تُصمّم للتعامل مع التواصل الدائم. فأعراض الانسحاب، التي قد تبدو غير ذات أهمية، تعكس اعتمادًا حقيقيًا لا ندركه غالبًا. لكن ما يدعو للتفاؤل هو قدرة الدماغ على “إعادة الضبط” بعد ثلاثة أيام فقط، مما يؤكّد أن الأمور لا تزال تحت السيطرة.

وفي المحصّلة، تجربة ثلاثة أيام من دون هاتف ذكي أكثر من مجرد اختبار علمي، بل فرصة لاعتماد نمط حياة أكثر وعيًا، حيث تستعيد التّكنولوجيا دورها الطبيعي كأداة مساعدة، بدلًا من أن تبقى قوة مسيطرة على حياتنا.

شارك الخبر عبر:

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us