الحمل والتصلّب المتعدّد: تحدّيات الصحة العقلية وأهمية الرعاية المتخصّصة

صحة 10 شباط, 2025

يمثّل الحمل مرحلة استثنائية في حياة أي امرأة، إذ يترافق مع تغيّرات جسدية ونفسية كبيرة. ولكن بالنسبة الى النساء المصابات بالتصلّب المتعدّد (MS)، يصبح هذا التحدي أكثر تعقيداً، نظراً الى تداخل التغيرات الهرمونية والجسدية مع طبيعة المرض وتأثيره على الجهاز العصبي المركزي. تكشف دراسة حديثة عن وجود ارتباط وثيق بين الحمل والتصلب المتعدد وزيادة خطر الإصابة بمشاكل الصحة العقلية مثل الاكتئاب والقلق، الأمر الذي يسلّط الضوء على أهمية الرعاية المتخصصة والتدخل المبكر لتحسين جودة حياة الأمهات وأطفالهن.

الحمل والتصلّب المتعدد: علاقة معقّدة وتأثيرات غير متوقعة
تُظهر الأبحاث أن النساء الحوامل المصابات بالتصلّب المتعدد أكثر عرضة لمشاكل الصحة العقلية مقارنة بنظيراتهن غير المصابات. في دراسة نُشرت في مجلة Neurology، المجلّة الطبية للأكاديمية الأميركية لطب الأعصاب، تم التركيز على تأثير التصلّب المتعدّد على الصحة العقلية أثناء الحمل وبعد الولادة. تشير النتائج إلى أن التغيرات البيولوجية والهرمونية المصاحبة للحمل قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض النفسية مثل القلق والاكتئاب، ما يستدعي تدخلاً طبياً متخصّصاً.

تقول الدكتورة روث آن ماري، مؤلفة الدراسة والباحثة في جامعة دالهوزي في كندا:
“أظهرت الدراسات السابقة أن النساء المصابات بالتصلب المتعدد أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق مقارنة بالنساء غير المصابات. ويمكن أن تؤثر هذه المشاكل النفسية بشكل مباشر على رفاهية الأم وصحة الطفل، ما يجعل من الضروري فهم كيفية تأثير الحمل على الصحة العقلية لدى هذه الفئة.”

تحليل شامل للبيانات الصحية
شملت الدراسة تحليل بيانات 894,852 امرأة حاملاً خلال فترة 15 عاماً. تضمنت العينة 1,745 امرأة مصابة بالتصلب المتعدّد، بالإضافة إلى مجموعات مقارنة شملت مصابات بحالات مزمنة أخرى مثل الصرع ومرض الأمعاء الالتهابي والسكري، إلى جانب أكثر من 869,000 امرأة غير مصابة بأي من هذه الحالات.
تمّت متابعة الحالة الصحية للمشاركات من عامين قبل الحمل حتى ثلاث سنوات بعد الولادة. وركّز الباحثون على تشخيصات الصحة العقلية مثل الاكتئاب، القلق، الاضطراب الثنائي القطب، تعاطي المواد المخدرة، ومحاولات الانتحار.

نتائج الدراسة: معدلات مقلقة لمشاكل الصحة العقلية
كشفت النتائج عن اتجاه مقلق:
• زيادة معدلات الاضطرابات النفسية: عانت 42% من النساء المصابات بالتصلّب المتعدد مشاكل نفسية أثناء الحمل، وارتفعت النسبة إلى 50% في السنة الأولى بعد الولادة. بالمقارنة، بلغت هذه النسب 30% و38% لدى النساء غير المصابات بالتصلب المتعدد.
• تشخيصات جديدة بعد الولادة: تم تشخيص 8% من النساء المصابات بالتصلب المتعدّد باضطرابات نفسية جديدة أثناء الحمل، وارتفعت النسبة إلى 14% بعد الولادة، مقارنة بـ 7% و11% لدى النساء غير المصابات.
• زيادة خطر تعاطي المخدرات: ارتفعت معدلات تعاطي المواد المخدرة من 0.54% أثناء الحمل إلى 6% بعد الولادة لدى النساء المصابات بالتصلب المتعدد.

تحليل المخاطر: عوامل تؤثر على الصحة النفسية
بعد تعديل العوامل الديموغرافية مثل العمر عند الحمل والدخل ومستوى التعليم، وجد الباحثون أن النساء المصابات بالتصلب المتعدّد يواجهن زيادة بنسبة 26% في خطر الإصابة باضطرابات نفسية أثناء الحمل، و33% بعد الولادة مقارنة بغير المصابات.
واللافت أيضاً أن النساء المصابات بالتصلّب المتعدد كنّ أكثر عرضة للإصابة بجميع أنواع الاضطرابات النفسية التي شملتها الدراسة، باستثناء محاولات الانتحار التي لم يظهر فيها فارق كبير. وتشير هذه النتائج إلى أن الحمل قد يزيد من هشاشة الصحة العقلية لدى النساء المصابات بالتصلب المتعدد، ما يتطلب استجابة طبية شاملة.

أهمية التدخل المبكر والرعاية المتخصصة
تؤكّد هذه النتائج الحاجة الملحّة لتقديم رعاية صحية شاملة تجمع بين الدعم الطبي والنفسي. وفي هذا السياق، تقول الدكتورة ماري:
“توضح نتائجنا أن النساء الحوامل المصابات بالتصلب المتعدد بحاجة إلى مراقبة دقيقة للصحة العقلية. يجب أن يكون هناك تعاون بين أطباء الأعصاب، وأطباء النساء، واختصاصيي الصحة النفسية لضمان تدخل مبكر وتقديم الدعم اللازم”.

تتضمّن التوصيات الرئيسية:
1. الرعاية النفسية المتخصصة: ينبغي توفير استشارات نفسية دورية للنساء المصابات بالتصلب المتعدد أثناء الحمل وبعد الولادة.
2. المتابعة المستمرة: يجب أن تشمل خطط الرعاية الصحية مراقبة الحالة النفسية بانتظام للكشف عن أي علامات مبكرة للاضطرابات العقلية.
3. التدخل المبكر: تشجيع النساء على طلب المساعدة عند ظهور أعراض مثل الحزن المستمر أو القلق الشديد.
4. البحث المستقبلي: الحاجة إلى دراسات إضافية لفهم كيف يؤثر التصلب المتعدد على الصحة النفسية على المدى الطويل، خصوصاً في ما يتعلق بمراحل المرض المختلفة وعلاجاته.

استنتاجات ودعوة للعمل
تشير هذه الدراسة إلى أهمية تعزيز الوعي بالتحديات الصحية العقلية التي قد تواجه النساء المصابات بالتصلب المتعدد أثناء الحمل وبعده. إن توفير رعاية شاملة لا يساهم في تحسين جودة حياة الأمهات فحسب، بل يعزز أيضاً من صحة الأطفال وتطوّرهم العاطفي.

في النهاية، تُعدّ هذه النتائج دعوة للأطباء ومقدّمي الرعاية الصحية الى تبني نهج شامل في متابعة النساء المصابات بالتصلب المتعدد أثناء الحمل، مع التركيز على الجوانب النفسية إلى جانب الرعاية الجسدية، لضمان تجربة حمل أكثر أماناً واستقراراً نفسياً.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us