من التقشف إلى العافية: كيف يؤثر الصيام المسيحي على الصحة؟

صحة 12 آذار, 2025

لطالما كان الصيام جزءاً جوهرياً من التقاليد الدينية والثقافية عبر العصور، ويمارس لأهداف روحية وصحية على حدّ سواء. في المسيحية، يُعَدُّ الصيام الكبير من أقدس الفترات الدينية، حين يلتزم المؤمنون بالـ “قطاعة”، أي الامتناع عن تناول اللحوم ومشتقاتها لفترة تمتدّ طوال فترة الصيام حتى عيد الفصح الكبير، مع التركيز على الأطعمة النباتية. هذا الامتناع ليس مجرد ممارسة دينية، بل يمتدّ تأثيره ليشمل صحة الجسم بشكل ملحوظ، إذ أظهرت الدراسات أن التوقّف عن استهلاك اللحوم، ولو لفترة وجيزة، يمكن أن يساهم في تحسين صحة القلب، فقدان الوزن، وتعزيز توازن بكتيريا الأمعاء والجهاز المناعي.

تأثير الصيام على صحة القلب وفقدان الوزن
كشفت مجلة “ناشيونال جيوغرافيك” العلمية عن أن الامتناع عن اللحوم خلال فترات الصيام لا يؤثر فقط على العادات الغذائية، بل يؤدّي أيضاً إلى تغييرات فسيولوجية مهمة. فاستبدال اللحوم بالبقوليات والحبوب الكاملة والخضراوات الغنية بالألياف يقلّل من استهلاك السعرات الحرارية، ويعزّز الشعور بالشبع، الأمر الذي يُسهم في فقدان الوزن بشكل طبيعي.

تشير دراسة أجريت عام 2018 إلى أن الأشخاص الذين تحوّلوا إلى نظام غذائي نباتي فقدوا ما يقرب من أربعة أرطال خلال ثلاثة أشهر. علاوةً على ذلك، أظهرت أبحاث أخرى أن الامتناع عن اللحوم لمدّة ستة أسابيع أو أكثر يساعد في خفض مستويات الكوليسترول الضارّ (LDL) وضغط الدم، مما يقلّل من خطر الإصابة بأمراض القلب.

في تجربة أجرتها جامعة ستانفورد على 11 زوجاً من التوائم، لاحظ الباحثون أن المشاركين الذين التزموا نظاماً غذائياً نباتياً شهدوا انخفاضاً كبيراً في مستويات الكوليسترول لديهم خلال شهر واحد فقط.

تأثير الصيام على بكتيريا الأمعاء
يؤثر الامتناع عن اللحوم خلال الصيام المسيحي على التوازن البيولوجي لبكتيريا الأمعاء، حيث يتزايد عدد البكتيريا المتخصّصة في تحليل الألياف، بينما تنخفض البكتيريا المرتبطة بالبروتينات الحيوانية. وفقًا لدراسة أجرتها جامعة ستانفورد، فإن الأشخاص الذين تحوّلوا إلى نظام غذائي نباتي أظهروا انخفاضاً في مستويات بكتيريا بيلوفيلا وأدزورثيا، التي ترتبط بالتهابات الجهاز الهضمي، الأمر الذي يعزّز صحة الأمعاء.

تعزيز الجهاز المناعي
إلى جانب تحسين صحة الأمعاء والقلب، يمكن أن يؤدي الصيام إلى تعزيز وظيفة الجهاز المناعي. فقد أظهرت دراسة حديثة أن الامتناع عن اللحوم لمدة أسبوعين أدّى إلى زيادة في نشاط الخلايا المناعية المسؤولة عن مكافحة الفيروسات، بالإضافة إلى انخفاض مستويات السيتوكينات، وهي جزيئات تلعب دوراً رئيسياً في تنظيم الاستجابة المناعية.

هل الامتناع عن اللحوم ضروري للصحة؟
رغم الفوائد الصحية المثبتة للصيام النباتي، فإن الامتناع التام عن اللحوم ليس بالضرورة هو الخيار المثالي للجميع. فبحسب الدراسات، يمكن لحِمية البحر الأبيض المتوسط، التي تشمل الخضراوات والبقوليات إلى جانب استهلاك محدود للحوم، أن تحقق فوائد صحيّة مماثلة للأنظمة النباتية الصارمة.
ويقول البروفيسور لويجي فونتانا، الخبير في التغذية والشيخوخة الصحية: “ليس هناك دليل قاطع على أن تناول كمية قليلة من اللحوم مرة واحدة في الأسبوع يؤثر سلباً على الصحة، فالأهم هو نوعية الطعام المختار، وليس فقط الامتناع عن عنصر معين”.

اختيار الأطعمة بحكمة خلال الصيام
لا يعني الامتناع عن اللحوم تلقائياً اتباع نظام صحي، إذ يمكن للصائمين الوقوع في فخ الأطعمة النباتية المعالجة، مثل بدائل اللحوم الصناعية أو الوجبات الغنية بالسكريات والدهون المشبعة. لذا، يُفضّل التركيز على مصادر نباتية طبيعية مثل العدس، التوفو، المكسرات، والخضراوات الطازجة لضمان الحصول على العناصر الغذائية الضرورية.

المغذيات الأساسية في النظام النباتي
خلال فترات الصيام الطويلة، من المهم الانتباه إلى الحصول على العناصر الغذائية الأساسية التي قد تنخفض في النظام النباتي، مثل فيتامين B12، الحديد، الزنك، الكالسيوم، وأحماض أوميغا 3 الدهنية. ويوصي الخبراء بتناول مكمّلات غذائية عند الحاجة للحفاظ على توازن المغذيات في الجسم.

الصيام المسيحي: فرصة للصحة والتجدد الروحي
يعدّ الصيام في المسيحية أكثر من مجرد تغيير في العادات الغذائية؛ فهو فرصة للتأمل الروحي والتقشف، وفي الوقت ذاته تجربة صحية تمنح الجسم فترة راحة من استهلاك اللحوم. وفي الوقت الذي قد تكون التأثيرات الصحية للصيام إيجابية عند اتباع نظام غذائي متوازن، يبقى الأهم هو التركيز على جودة الطعام المختار. فالصيام ليس فقط حرماناً، بل هو دعوة إلى وعي أعمق بالجسد والروح، مما يجعل منه تجربة متكاملة تعزز الصحة الجسدية والروحية في آن واحد.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us